Saturday 10th August,200210908العددالسبت 1 ,جمادى الثانية 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

«بذور» الصعود الحضاري.. «بذور» الصعود الحضاري..
عبدالعزيز السماري

مشاركة أربعة سعوديين - اثنان منهم مصابان بإعاقة- أغسطس 2001م ضمن طاقم مكون من 46 عضوا لقيادة باخرة اللورد نلسون الضخمة في رحلة بحرية مليئة بالتحديات تجوب محيط المملكة المتحدة، كان هدفها الرفع من درجة الوعي بقضايا المعاقين، والترويج لاندماجهم الكامل في مجتمع الأصحاء، وذلك ضمن إطار مذكرة التفاهم حول التعاون الرياضي بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية، والتي يتولى الإشراف عليها كل من الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالمملكة وشركة «بي إيه إي سيستمز» دليل على وجود أجندة رسمية تسعى لتعزيز الوعي بأولئك الذين يحملون اختلافات عن الصفات الظاهرة للغالبية الأصحاء. والمتابع سيجد «بذور» الاهتمام مغروسة في شتى المجالات وتنتظر دوراً حيوياً في المستقبل القريب.
والأكيد أن المرحلة الحالية تلح أن تنمو بذور تلك الأجندة المميزة «محلياً» إلى فصول متجددة لآخرين يشتكون من نفس معاناة «العيش» بعيداً عن الأضواء والإدراك لاحتياجاتهم ضمن مجتمع الأصحاء، فمرضى الصرع مثلاً يستحقون ذلك الاهتمام لإثبات قدراتهم السليمة، وكذلك مرضى الإيدز والفيروس الكبدي والزهري.. وغيرهم ممن يعيش على هامش الاهتمام الفردي والجماعي بقضاياهم اليومية، وأيضاً أولئك الأصحاء الذين يمضون الليالي في المقاهي انتظاراً لفرصة عمل مناسبة.
ولعل غياب «مؤسسات» تهتم بشئون مَن يعيش خارج إطار «الطبيعي المتعارف عليه» «حسب مرجعية الثقافة الشعبية» ادى إلى قصور تلك الأجندة الرسمية «الواعية»، وتأتي أهمية تأسيس هيئات معنية بشئونهم في قدرتها وتخصصها وتفرغها لدراسة الآثار المترتبة عن القرارات المتخذة بحق هؤلاء «غير» القادرين على إيصال كلمتهم للمسئولين أو للمؤسسات الرسمية، والمؤكد أن دورها سيصب في مصلحة القرار الرسمي، وسيغذيه بالاستشارات والمعلومات الضرورية لصنع القرار «المناسب». فالاهتمام والتفاعل مع قضايا الإنسان واختلافاته إشارة على تطور الوعي بقضايا الفرد المتشعبة، وتعتبر ظواهر التفاعل مع قضاياه المتنوعة المؤشر الأهم على تطور الإنسان وقدراته على الرؤية والحكم من خلال قنوات مشروعة وبالوسائل «المتحضرة»، والسؤال الذي يستدعي «ربما» التحليل والتنقيب وعددا من علامات الاستفهام..! هو لماذا تفاعلت الصحف المحلية مع قضية المدرسة في مكة؟، ولم تتفاعل مع قضية قرار إقصاء مرضى الإيدز والفيروس الكبدي والزهري عن فرص العمل الحكومي، ولماذا وصلت ردة فعل ضد قرار الدمج إلى أعلى مستويات الإثارة، ولم تصدر ممن وراءها مطالبة بإنصاف مَن تضرر من «القرار» الأخير؟...، هذا بالطبع إذا أدركنا أن حجم المتضررين من القرار الأخير قد يتجاوز عدة ملايين..!
ما حدث قد ينبئ بوجود معايير أخرى في مجتمعنا وأولويات خارج إطار الوعي الذاتي بقضايا الإنسان الملحة، ولكن.. هل هذه المعايير هي ذلك الموروث الذي دأب على طرح قضاياه ضمن رؤية مؤدلجة «لا» يأتي الإنسان اهتماماتها الأولية..، أم ان تطور الوعي الاجتماعي لازال في بداياته ويحتاج لطفرة جديدة تنقله من مجتمع مستهلك إلى مجتمع منتج يحرص على مصلحته الفردية والجماعية.
إن سقوط الحضارة وصعودها هو الظاهرة الأكثر وضوحاً، والأكثر غموضاً في الوقت نفسه، بين كل ظواهر التاريخ، وأي تجمع بشري مهما كانت براعة شبكة العلاقات الاجتماعية التي تحميه، يحمل داخله بذرة الموت مخبأة في عناصر حياته. وتكمن براعة الفرد أو «المؤسسة» أو «النخبة» بكل صورها في المجتمع على معرفة بواطن تلك البذور ومحاولة كشفها على السطح ومحاربتها بالسبل الوقائية لوقف نموها.
وتعتبر تنمية الوعي الذاتي للإنسان المنهج القويم لتحقيق فكرة المجتمع الحي القوي والأمة الناهضة المتحضرة والمنطلقة من القاعدة القائلة بعضوية العلاقة بين وعي الفرد واستمرار الأمة، وعلى أهميته أي وعي الإنسان في الحفاظ على المكتسبات الوطنية على مستويي الفرد والجماعة، والحرص على استمرارها وتطورها..، حيث يمكن أن يؤدي الفرد «المؤمن» والواعي دور المهندس في بناء الحاضر والانطلاق نحو المستقبل..
وإذا أدركحنا أن تعميم فكرة البحث عن الأفضل للجماعة تعني إيجاد القوة الدافعة نحو الاستقرار في شتى صوره ضمن .. اطار المجتمع ومسيرته تجاه أهدافه وتطلعاته المشروعة، وأيضاً تعني تكامل الأدوار بين الفرد والجماعة حيث تصبح أمنية الحضارة بدون ذلك التكامل أمراً مستحيلاً وفكرة تعجيزية وغير قابلة للإنجاب.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved