تعقيباً على مقال بعنوان «دعاة الداخل هل يناسبون الخارج؟» للكاتب: سلمان العمري المنشور في الجزيرة عدد «10879» أكتب هذه المشاركة:
لاشك أن الدعوة تختلف في أسلوبها وعرضها وأولوياتها من مكان لآخر، فلكل مكان ما يناسبه، بل ولكل زمن ما يصلح له.
نعم قد تتشابه بعض البلدان والمجتمعات في عناصر كثيرة لكن تبقى لكل بلد خصوصياته وهذا لا يقال في الدعوة في الخارج فحسب بل حتى في مناطق المملكة قد تختلف وسائل الدعوة فيها، وأنماط عرضها، كما ينسحب هذا التفاوت بين شرائح المجتمع كل بحسبه، من بادية وحاضرة ومدينة وقرية، ومن تفاوت درجات التعلم والوعي، وتفاوت الأعمار والاهتمامات.. وغير ذلك. وهنا أوجز العناصر المؤثرة في أسلوب الدعوة ليتنبه لها كل من أراد أن ينتدب نفسه للدعوة في أي مكان.
فقد علم أنه ليس من الأمانة وتقديم المصلحة وقصد منفعة الناس أن يأتي الداعية قوماً دون أن يعرف من نفسه القدرة على التعامل معهم وحسن أداء العمل العظيم الذي سيقدمه وهو الدعوة إلى الله تعالى.
*
إن كلمة «الحكمة» كلمة جامعة يقتضي تحقيقها كل ما تشمله من جوانب ولو بأقل ما يجب، فمن دعا قوماً بأسلوب لا يناسبهم وإن كان يناسب غيرهم فإنه لم يدع بحكمة.
*
فإذا لم يستوف الداعية أسباب البيان فما قام حقاً بواجب البلاغ والدعوة والبيان. فمن العناصر المؤثرة في أسلوب الدعوة والتي تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ومن حال إلى حال ما يلي:
1 مستوى التعلم والوعي فبحسب ذلك يتغير الأسلوب، ومستوى ما يلقى من محاضرة أو درس أو دورة علمية.
2 «وهو قريب من السابق»: مستوى التدين العام والتمسك بتعاليم الإسلام وشعائره:
3 الحالة الاجتماعية بما تشمله من مؤثرات متعددة وهذه المؤثرات بعضها يرقى إلى التأثير وبعضها دون ذلك.
4 مستوى التمسك بالسنة فبعض البلاد تنتشر فيها البدع وتخفى فيها السنة فلهؤلاء أسلوب يختلف تماماً عن بلد تقل فيه البدع وتنتشر فيه السنة.
5 الحالة السياسية في البلد فالاستقرار السياسي والعلاقة مع دولة الداعية وأشباه ذلك لها أثر ينبغي مراعاته.
6 الأحداث الحاضرة فعلى الداعية من وجه ألا يغفلها كي لا ينعزل عن واقعه ويزهد فيه الناس، ومن وجه آخر عليه أن يتناول ذلك بحكمة وبعد نظر وأن يتجنب ما يكون سبباً للجدل والتشويش.
7 عادات البلد وتقاليده ينبغي مراعاتها فإن كان فيها شيء مخالف للدين فينظر الداعية إلى معالجته بالأسلوب المناسب فإن من أصعب الأمور على الناس مواجهتهم بما نشأوا عليه. مع العلم أنه لا يلزم أن يتولى المعاجلة بنفسه بل بإمكانه المساهمة في المعالجة عن طريق أهل البلد أنفسهم بتدرج ورفق ووسائل متنوعة.
8 الأولويات في البلد المزور حيث تختلف أولويات الدعوة من بلد إلى بلد ومن زمان إلى زمان ففي بعض البلاد الأفريقية مثلاً تكون الأولوية لتأصيل منهج يفهم به المدعوون الإسلام صافياً من البدع ونحوها.
وأما في بعض بلاد الغرب مثلاً فقد تكون الأولوية لتأصيل منهج فكري متزن متوازٍ مع المنهج العقدي الصافي لغلبة المناهج الفكرية هناك.
كما قد تكون الأولويات في بيان أحكام فقهية تخص مجتمعهم وتخفى عليهم ولكن بفهم شامل للمسألة وملابساتها لتنزيل الحكم الشرعي عليها تنزيلاً صحيحاً «وهذا خاص لمن له أهلية الفتوى من الدعاة».
وفي الصحيحين من حديث معاذ رضي الله عنه، وجاء أيضاً عن ابن عباس عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله... الحديث.
فبين له حال المدعوين وأنهم من أهل الكتاب كي لا يفاجأ بدينهم حيث إن معاذاً رضي الله عنه كان من العرب الذين يغلب عليهم الشرك قبل الإسلام وليسوا أهل كتاب، ثم بين له الأولويات في دعوته.
وعلى كلٍ فإن العناصر والمتغيرات المؤثرة على أسلوب الدعوة كثيرة ولكن حسب الداعية أن يجتهد في مراعاتها ما استطاع وهو بلا شك لن يستكملها على وجه التمام فإن العصمة ليست إلا للرسل عليهم الصلاة والسلام.
ثم إن الحكم فيها إنما يكون للغالب وإلا فلن يكون الأفراد المدعوين كلهم على مستوى واحد من هذه العناصر بلا ريب.
الداعية واللغة
هذا وإن للغة أثراً كبيراً في الدعوة، وحين يكون الداعية على معرفةٍ بلغة من يدعوهم فإن تأثير دعوته أبلغ، ويصبح الداعية حينئذ أقدر على تبليغ ما لديه من علم وبيان.
كما أن الترجمة مهما علا مستواها فلن تفي بجميع المراد ولن تنقل جميع المؤثرات في كلام الداعية أو علمه.
بل إن الترجمة إلى جانب تقطيعها الحديث فيفقد تواصله وانسيابه، فإنها تلتهم قدراً كبيراً من وقت المحاضرة أو الدرس أو الكلمة، فالمحاضرة إن كانت في ساعة فسوف تصبح مع الترجمة في ساعتين أو على الداعية أن يختصرها إلى النصف كي لا تتجاوز الساعة.
ومع هذا كله فلا يمكن أن تفرض اللغة شرطاً للدعوة بمعنى ألا تدعو قوماً إلا بعد الإلمام بلغتهم لما يلي:
1 أن الشريعة لم تشترط ذلك فالأدلة الآمرة بالدعوة عامة مطلقة بكل ما تتحقق به الدعوة وكل ما يسمى بلاغاً.
ولأجل هذا فإنك ترى النبي صلى الله عليه وسلم بعث دعاته إلى ملوك الأرض وإن لم يكونوا على معرفة بلغتهم كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما كحديث ابن عباس في دعوة هرقل وكان المبعوث إليه دحية الكلبي رضي الله عنه.
وكقصة معاذ المشار إليها آنفاً حيث لم ينقل أنه تعلم لسان من ذهب إليهم، وغير ذلك من الشواهد.
وأما الآية التي سبقت الإشارة إليها وهي قوله تعالى {$ّمّا أّرًسّلًنّا مٌن رَّسٍولُ إلاَّ بٌلٌسّانٌ قّوًمٌهٌ لٌيٍبّيٌَنّ لّهٍمً } فليست دليلاً على اشتراط اللغة للدعوة والبيان بل غاية ما فيها أن ذلك من تمام البيان وهذا لا خلاف فيه، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل بلغة أقوامهم ليكون ذلك أتم في البيان.
وشأن الرسالة أنها أعلى مقامات الدعوة والتبليغ والبيان فكان لها أعلى وسائل التبليغ.
وهذا محمد صلى الله عليه وسلم جاء بلسان العرب مع كونه مرسلاً إلى الناس كافة، فلم تكن اللغة مانعة من تمام الحجة على غير العرب، ولا قادحة في شمول دعوته إياهم.
2 أن اشتراط اللغة للدعوة شرط عسير جداً ولا سيما مع كثرة البلاد المختلفة في اللغات بل في البلد الواحد لغات كثيرة.
فافتراض ذلك يلزم عليه تقلص الدعوة في بلاد كثيرة لعدم التمكن من توفير داعية بذات اللغة ولا سيما في دعاة على المستوى العالي والعلم الكافي.
3 إنك تجد أحياناً دعاة لهم علم بلغة المدعوين ومع ذلك يتخذون مترجمين لهم، ذلك أن الداعية الواعي يدرك أن أسلوب الخطاب المؤثر لا يكفي فيه مجرد المعرفة باللغة، بل لابد من إتقانها وممارستها كثيراً ودراية بالأسلوب الأدبي فيها.
وحينئذ فاتخاذ المترجم وإن كان فيه ما فيه مما تقدم فهو أولى من حديث الداعية بنفسه بأسلوب قد يمل منه السامعون.
وختاماً فعلينا جميعاً أن يكون قصدنا التعبد لله تعالى بالدعوة إليه ودلالة الناس إلى الصراط المستقيم وتعليمهم ما يجهلون من دينهم ثم نردف مع ذلك قصد نفع الناس بما هو أنفع، ولذا فقد يرى الداعية أن غيره أقدر وأنفع لذلك البلد منه فدلالته على غيره وإفساح المجال لمن هو أقدر دليل على إدراكه وحسن قصده فيتم له بذلك الأجر ويسلم من تبعة التقصير وفي الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه».
نسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
فهد التميمي
|