* تقرير عبدالعزيز بن محمد السحيباني:
رامتان مثنى «رامة» وهما كثيبان رمليان جنوب محافظة البدائع بالقصيم بحوالي 15 كم وهما رامة الشرقية ورامة الغربية.. وهذان الكثيبان متقاربان، ويبلغ طول كل واحد منهما حوالي 4كم، وهما متفردان.. ولكن ذكرهما سار سير الشمس وامتلأت بطون الكتب بهما، وكلف بهما الشعراء حتى انك لا تجد شاعراً من شعراء الجاهلية وصدر الإسلام وحتى عصرنا الحاضر إلا ذكرهما في شعره.. وقل ان تطلع على ديوان من دواوين الشعر لم يذكرهما.. وربما ان البعض من الشعراء لم يروهما ولكن لكثرة وصفهما على لسان الشعراء في ذكرهما.. كما نذكر نحن جبال سويسرا.. أو شلالات «نياجرا».
و«رامتان» هما ساحرتا الشعراء وملهمتاهما بشعر بديع أخاذ، فهي ذات منظر خرافي الحسن، وخاصة في أيام الربيع.. حيث تنقلب أرضهما إلى بساط سندسي موشى بزخارف بديعة من زهور بيضاء ناصعة وبنفسجية وبرتقالية وحمراء.. من زهور الاقحوان و«الخزامى» ونبات الربل والبسباس والرمث.. وحين تصدح البلابل في رياض خضراء مزهرة.. وسماء زرقاء صافية.. ومياه متلألئة في خباري «رامة» و«المضابيع».. فوق رمال ذهبية تشع باللآلي.. من المرو.. وحبات الرمل المغسولة بماء المطر.
رامتان طه حسين
طه حسين عميد الأدب العربي.. سمى دارته بالقاهرة ب«رامتان» تخليداً لذكرهما، ولأنه أديب يعرف قيمتهما.. نظراً لأنه يقرأهما في كل كتاب يتحدث عن أديب عربي أو ديوان من دواوين الشعر.. ويمكن ان تكونا.. أكثر من معلم جغرافي.. وأشهر معلم مر عليه خلال مطالعاته وسماعه لقصص العرب وأشعارهم.. في جزيرة العرب.. ولا تزال «رامتان» دارة طه حسين باسمها في القاهرة ولكن الكثيرين من أبناء وطننا لا يعرفون شيئاً عن «رامتان».. حدثت لذلك قصة طريفة: وهي ان وفدا من أدباء المملكة زار عميد الأدب العربي طه حسين، ومعهم علامة الجزيرة المرحوم «حمد الجاسر» وذلك في دارته «رامتان».. فسأله أحد أعضاء الوفد الثقافي السعودي: «ما معنى «رامْتان» يا دكتور؟!! وسكّن الميم «يحسبها معلما فرنسياً»؟!.. فتعجب الدكتور طه حسين من هذا السؤال.. وقال بدهشة: يا بني رامتان.. عندكم في السعودية وبالأخص في نجد بالقصيم.. وهي مذكورة كثيراً في الشعر العربي!!..
أشعار في رامة
لقد كلف الشعراء برامة وذكروها كثيراً في أشعارهم.. نظراً لموقعها الفريد ومرعاها المتميز ووجودها على طريق «الحاج البصري».. وهذا في عهد الدولة الأموية والعباسية.. وإلا فإن شهرتها كانت قبل ذلك بكثير..
قال جرير:
بان الخليط فعينه لا تهجع والقلب من حذر الفراق ملوَّع ود العوازل يوم «رامة» انهم قطعوا الحبال وليتها لا تقطع |
وقال أيضاً:
حي الغداة «برامة» الأطلالا رسماً تحمَّل أهله فأحالا |
وقال بشر بي أبي خازم الأسدي:
عفا رسم «برامة» فالتلاع فكثبان الحفير إلى لقاع |
قال الشيخ محمد العبودي في معجم بلاد القصيم: «قرن ذكر رامة بذكر التلاع وكثبان الحفير أما التلاع فهي في مشرفي البدائع ومنها مجلة تدعى «أم تلعة» وأما الحفير فهو ماء اسمه «الحفيِّرة» ويقع جنوب غرب عنيزة.
وقال الحطيئة:
تعذر بعد «رامة» من سليمى أجارع بعد رامة فالهجول |
وقال أبو داود الايادي من أقدم شعراء الجاهلية:
من ديار كأنهن وشوم لسليمى برامة لا تريم |
وقال زهير بن أبي سلمى:
لمن طلل برامة لا يريم عفا وخلاله عهد قديم |
وقال الفرزدق:
أعيناني على زفرات قلب يحن برامتين إلى النوار |
رامة سياحياً
قال الشيخ محمد العبودي «ومن الأمثال القديمة الشائعة «تسألني برامتين سلجماً، والسلجم هو «اللِّفت» يضرب لطالب حاجة عسرة.
ذكروا ان أصله ان رجلاً مرضت زوجته وهما برامة في طريق الحج فاشتهت سلجماً فقال:
تسألني برامتين سلجماً!!
إنك لو سألت شيئاً أمماً
جاء به الكرى أو تجشَّما
وذلك لأنه لا يوجد برامة في ذلك الوقت سلجم فلا زراعة موجودة غير الصحاري، ولكن أهل رامة استجابوا لقائل الأبيات وأوجدوا فيها سلجماً كثيراً».
وفي وقتنا الحاضر زادت التلبية لقائل هذا البيت بشكل غير طبيعي.. فقد اكتست رامة عن آخرها.. واختفت معالمها.. وزرعت عن آخرها قمحاً وبرسيماً!!..
وأحاطت بجزء منها العقوم الترابية والأسلاك الشائكة من كل جانب ورميت فيها مخلفات البناء والأحجار.. ونقلت منها الرمال بشكل يبعث على الأسى على ضياع هذا المعلم التاريخي.. الذي لا نعلم معلماً تاريخياً رملياً إلا تغير اسمه القديم عن اسمه الحالي ما عدا «رامتان».. فقد تغيرت أسماء الجبال أما رامة فلم تتغير.. وهنا أناشد وزارة المعارف والهيئة العليا للسياحة بالحفاظ على هذا الأثر والمعلم الرائع..
منزل الحج البصري في رامة
طريق الحج البصري طريق قديم للقوافل انشئ عبر كثبان وصحاري الجزيرة العربية في عهد الدولة العباسية وذلك لهداية الحجاج وتوجد عليه «أميال» أو أعلام.. وفي عهد خلفاء بني العباس انشئت عليه محطات استراحة للحجاج تسمى «منازل» وبينها محطات أصغر تسمى «متعشيات».. «ومنزل رامة» يعتبر من أشهر منازل طريق الحاج هذا يحتوي على «آبار» مطوية في الصخور وترى الآن على شكل «دوائر» تظهر انها آثار «دفان» لهذه الآبار وحفر احداها فوجدت مطوية بالصخور الصلبة.
قال الحربي: ومن القريتين إلى رامة: أربعة وعشرون ميلاً.. وبرامة آبار كثيرة وفي رامة شعر كثير لا يحصى، وعلى ذكر رامة فإنه حسبما رواه الجاحظ كان في رامة بئر فيها هواء يمنع الأشياء الخفيفة من الوصول إلى قعرها.
قال: حدثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة من طريق مكة المكرمة، فرميت ببئرها ببعرة فرجعت إلي ثم أعدتها فرجعت فرميت بحصاة فسمعت لها حفيفاً وحريقاً شديداً وشبيها بالجولان إلى ان بلغت قرارة الماء. وهذا يدل على عمق آبار رامة قديماً ووفرة مياهها حيث تقع على حاقة الدرع العربي، وربما يكون بمنزل رامة هذا «بركة» لجمع مياه الأمطار وقد طمرتها الرمال حيث تقع في «ملتقى تلاع» وادعو إلى اكتشافها.
كما توجد حول هذه الآبار وخاصة في الشرق.. أكوام من الحجارة التي تظهر كأساسات لمبان كبيرة وضخمة وقد دققت النظر فيها فوجدت كسر أوان فخارية من السائدة في العهد العباسي.. وهذا المنزل الأثري ترك للعبث به.. فرميت الجيف في هذه البئر المحفورة من الآبار المطمورة وعبث بالأحجار وأساسات المباني.. وانني أنادي من ها هنا بالحفاظ على هذا الاثر الإسلامي «منزل رامة» قبل ان تدمِّره الآلات الزراعية.
|