Sunday 22nd September,200210951العددالأحد 15 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

بين الحُلم وتحقيقه خيط رفيع! بين الحُلم وتحقيقه خيط رفيع!
د. محمد أبو بكر حميد

«أجمل الأحلام تلك التي تتحقق، وأصدق الناس مع نفسه هو ذلك الذي يحقق أحلامه ويتمتع بها سنوات عمره، وأسعدهم ذلك الذي يحافظ عليها ويضيف إليها جمالاً وبهاءً وروعةً من قبس نفسه وروحه وسبحات خياله»
يخلط كثير من الناس بين الأحلام والأوهام وبين ما يراه في المنام وما يبنيه في اليقظة، وقد يكابر بعض الذين يمعنون النظر في الواقع إلى اتهام أي «أمل» بأنه «حلم» وبالتالي فهم يحطمون حياتهم وحياة الآخرين على صخرة اليأس.
والحقيقة أن الإنسان مخلوق حالم، وهو يحلم في اليقظة أكثر مما يحلم في المنام؛ لأنه غالباً ما يسعى إلى تحقيق أحلام اليقظة، فهي تشغله أكثر مما تشغله أحلام المنام، وهذا يعود إلى الفارق بين الاثنين. صحيح أن أحلام المنام قد تكون ترجمة لرغبات خفية للعقل الباطن لكنها لا تبدو دائماً قابلة للتحقيق عندما يناقشها الإنسان بينه وبين نفسه، وذلك ربما لأنه لا يرى له مقدرة شعورية على بنائها.. إنها كالخريطة الجاهزة التي لا تقدم كل ما نريد ولكنها توفر جهداً يُضاف إليه، ويُعدّل فيه. أما الأحلام التي نبنيها في اليقظة فهي مهما بدت لنا مستحيلة وبعيدة فنحن أعرف الناس بها؛ لأننا نبنيها وفق قدرات محددة نعرفها عن أنفسنا ووفق خطوط عريضة موجودة على أرض الواقع هي حجر الأساس لكل حلم، وبالتالي نظل نسعى إلى تحقيقها وقد تستغرق العمر كله ولا تتحقق، وقد تتحقق أجزاء منها ولكننا نموت بشعور من حقق شيئاً وسعد به.
والذين يغرقون في بحور اليأس ولا يحبون أحلام اليقظة هم أناس لا يملكون المقدرة على التمييز بين «الأمل» الذي يعيش به الإنسان ويتفانى في سبيل تحقيقه وبين »الوهم» الذي يعيش عليه الكسول المتقاعس الذي يصبح حالة مرضيَّة، لأنه لا يقوم على أساس من الواقع وهو العمل على تحقيقه، ومن هنا نجد أن الفارق بين الأحلام والأوهام خيط رفيع. صاحب »أحلام» لا »أوهام» ذلك الذي يعمل لتحقيق حلمه حتى لو مات دونه، ولو تأملنا كل المشروعات العظيمة والإنجازات الهائلة التي حققها الإنسان على الأرض وفي الفضاء سنجدها كانت أحلاماً في أذهان أصحابها وكانت مخططاتٍ على الورق فتحولت إلى حقيقة، والأحلام الكبيرة قد تستغرق أكثر من عمر الفرد وقد تستغرق أجيالاً وهي أحلام الأمم العظيمة.
ولو كفًّ الإنسان عن الحُلم عاش بلا أمل وعندئذٍ يكون قد حكم على نفسه بالموت وهو على قيد الحياة، وقد تكون الأحلام أحياناً خاصة تلك البعيدة التحقيق دافعاً لاستمرار الحياة، وقد يرضى الإنسان بلذة الحُلم على مواجهة الصعاب في سبيل تحقيقه، وهؤلاء هم أضعف الناس خاصة إذا كانوا يملكون المقدرة على تحقيقها وهنا يبرز الفارق بين «المقدرة» و»«الإرادة» فالمقدرة وحدها لا تكفي لأنها تحتاج إلى الإرادة القوية التي تستغلها وتدفعها، وبقدر ما يقوى «الدافع» تقوى «الإرادة». وتتحول الأحلام إلى حالة مرضيَّة، إذا ركَن الإنسان إلى الحُلم وعاش له وعليه، واتخذ منه غطاءً لواقع مرير يتجاهل رؤيته ويقتل في نفسه الدافع لتغييره أي أن يصبح الحُلم حيلة لا شعورية للهروب من الواقع ومن مواجهته، وبالمثل تتحول الأحلام إلى خطر إذا عمل الإنسان على تحقيقها بطرق غير سويَّة وعلى حساب الآخرين، فيعتدي صاحب الحُلم على الحُلم السوي ويدمره ويقضي عليه إن عاجلاً أو آجلاً. وقد يقول بعضهم إن أجمل الأحلام على مستوى الأفراد تلك التي لا تتحقق، ويرددون ذلك بأن الواقع يخفي المعالم الجميلة التي يضفيها عليها الخيال، والحقيقة أن هؤلاء هم الذين يفضلون العيش في الأوهام، لأنهم ينسون أن العقل الإنساني السوي لا يكف عن الخيال وعن الحُلم، وأن الحُلم الذي يتحقق يستطيع الإنسان أن يُزينه بخياله وواقعه معاً إذا امتلك الإرادة الكافية، وبهذا تكون أجمل الأحلام تلك التي تتحقق، وأصدق الناس مع نفسه هو ذلك الذي يحقق أحلامه ويتمتع بها سنوات عمره، وأسعدهم ذلك الذي يحافظ عليها ويضيف إليها جمالاً وبهاءً وروعةً من قبس نفسه وروحه وسبحات خياله.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved