لن يكون الهدف لهذا المقال هو رصد أحداث حادثة 11 سبتمبر كما أنه لن يعرج على وصف الحدث أو تتبع تطوراته كما يوحي عنوان هذه المقالة، ولكنه سيركز على سمة الخطابات التي استخدمتها الإدارة الأمريكية والإفرازات التي حدثت نتيجة لاستخدام هذه الخطابات. لقد شكلت أحداث 11 سبتمبر ضربة قاسية للإدارة الأمريكية التي كانت تعتقد أن الإرهاب ظاهرة تهدد العالم بأكمله سوى أمريكا. لذلك فقد جاءت الأحداث مفاجئة مؤلمة للغاية، وكانت النتيجة أن الدولة التي تعتبر تجربتها في بناء الدولة وممارسة الديمقراطية نموذجاً يحتذى، والتي سعت لنشر هذه التجربة وتصدير نظرية الديمقراطية، وجدت نفسها في مواجهة المشاكل وجها لوجه. الحقيقة ان الحدث وحجم الأضرار كان كبيراً جداً، سواء كانت أضراراً سياسية أو اقتصادية بل ونفسية أيضاً. ومما زاد هذه الأضرار إيلاما، هو مستوى الاختراق الأمني للدولة التي يعتقد أنها تعرف وترى ما يحدث في العالم بل وتصنعه أيضاً.
لا شك في أن ما حدث كان كارثة بكل ما تحويه هذه الكلمة من دلالات.. مما أثر في القراءة الموضوعية للأحداث، حيث اعتمد على رد الفعل العنيف والمبالغ فيه أساساً للتعامل مع الموقف، وهو الأساس الذي ترتب عليه الكثير من الإجراءات المتخذة في مواجهة عدو غير موجود.. أو بعبارة أدق التعامل مع عدو غير معروف إلا بسماته العامة أو بالنتائج التي ترتبت عليه. أساس التعامل مع هذا العدو المسمى الإرهاب هو الأساس الذي انطلق منه الخطاب السياسي للإدارة الأمريكية، وهو المرتكز الذي انطلقت منه صياغة هذا الخطاب، الذي بدأ بوعود انطلقت.. وبعهود قطعت.. وتعهدات أبرمت لإحضار الجاني وتأديب من نفذ هذه الجريمة، وكأنه معروف، أو على مرمى البصر. وبما أن الضحية والمتضرر ينتظر أن تنفذ هذه العهود وينتظر أن يرى الجاني وقد اقتص منه، فقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها -أمام شعبها- في وضع من تعهد بتنفيذ شيء لا يستطيع الوفاء به.
بدأ الخطاب السياسي الأمريكي جادا بطلب أن يقبل العالم أجمع بالهدف الذي تسعى اليه امريكا وهو معاقبة الجاني، واستئصال الإرهاب. لم يتوقف الخطاب عند مرحلة الطلب بل تعداها الى مرحلة الجملة الفعلية بالأمر بتنفيذ هذا المطلب.. ليتجاوزها الى قمة الجدية وإلى مرحلة ألا خيار، فأنت إما مع القوم وإما ضدهم. في مرحلة تلت بدأ الخطاب بالتحديد ورمي التهمة علي عدو بعينه، وان بقي موسوما بالتحدي والتعالي وتتضح هذه المسميات من خلال الصفة التي أطلقها الخطاب علي مجموعة من الدول ينحصر فيها الشر ويترعرع فيها الإرهاب ذلك النعت هو محور الشر الذي وصفت به تلك الدول.
تبقى نزعة الانتقام هي المحرك للخطاب السياسي الأمريكي، الذي وضع في مرحلة تلت، الفكر والقيم العربية والإسلامية تحت دائرة الحكم المسبق على أنه فكر للعنف والتدمير والقتل وأنه فكر ينجب الارهاب وينميه. بقيت نزعة الانتقام لم تتغير في خطابات البيت الأبيض عندما تتناول الفكر الإسلامي الذي رأى أنه لابد أن يتبدل، والمناهج التي لابد أن تتغير لأنها تنمي الارهاب، وكذلك القيم الإسلامية التي لابد ان تستبدل لأنها هي الغطاء الذي يحمي تلك البذور ويدافع عنها. ويبقى الأسلوب الطلبي هو السمة المميزة للخطابات الصادرة عن البيت الأبيض، ولا أدل على ذلك من الخطاب الأخير الذي ألقاه الرئيس الأمريكي في اجتماع الأمم المتحدة الأخير والذي ضمنه مطالب متعددة للعراق لعل من أبرزها ان يدمر على الفور جميع أسلحة الدمار الشامل، وان يتوقف عن دعم الارهاب، واضطهاد المدنيين، وللوهلة الأولى يلاحظ المتمعن في الخطاب ومن يقوم بتحليله ان هذه المطالب صيغت على أنها فرضيات مسلمة لا نقاش فيها. ولا شك ان هذا يعطي دلالة على الأسلوب الذي صيغ به الخطاب وعلى الأفكار التي صدر عنها، ويمكن أن يقول قائل ان هذه المعلومات التي طرحت كفرضيات مسلم بها لا يرقى اليها الشك تحتاج الى دليل ثابت لأنها قد تكون غير مثبتة.. أو غير موجودة على الإطلاق.
يبدو أن أسلوب الخطاب السياسي غير الموفق الذي تبنته واشنطن لن يقود الى النهاية التي تنشدها الإدارة الأمريكية حيث يبدو أن اللغة في الآونة الأخيرة بدأت تأخذ مساراً لا تحبذه واشنطن، حيث بدأ الخرق يتسع على الراقع وبدأت تتسع مساحة عدم الرضى للأسلوب الذي تنتهجه.. ومحاولتها استغلال الأحداث لاخضاع شعوب العالم وكل من يختلف معها في الرؤية. ومازال خطاب تلك الإدارة يتعالى في أسلوبه الطلبي الرافض لكل ما يخالفه في مبدئه القائم على الاستثمار السياسي لحادثة 11 سبتمبر والاستفادة من الضرر الذي وقع في نيويورك.. واستبدال غبار مانهاتن الذي خنق تلك المدينة فترة من الزمن.. ولذلك كان تعليقهم على تصريحات بغداد بالموافقة غير المشروطة على عودة مفتشي الأمم المتحدة بأن ذلك مراوغة تكتيكية، مما جعلهم يتشككون فيها بل ويرفضونها ويتهمونه بالتلويح بآمال واهية. هذه الصيغة في الخطاب أدت الى خلق معارضة كبيرة أدلها انتقاد نيلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا السابق للرفض الأمريكي المسبق بقوله: «من أعطاه - الرئيس بوش- الحق في القول إن العرض ليس حقيقياً. علينا أن ندين ذلك بقوة».
|