* القسم الثقافي - محمد الدبيسي:
يرى الدكتور جريدي المنصوري «النار» كائنا اجتماعيا مراوغا في ثقافة المجتمعات وكان غموضها سببا في كثير من الحكايات والاساطير التي استقرت في تلك الثقافة.
وفي كتابه الجديد «النار في الشعر وطقوس الثقافة» حاول كشف طبيعة التكوين المعرفي الذي تحتضنه النار وتستمد منه فاعليتها عبر استحضار النار في ثقافات الامم والشعوب كتجليات ثقافية تعبيرية اخذت موقعها في رصيد المعرفة الانسانية.
وفي البحث عن رمزية النار كثقافة حاورها الانسان في حياته اليومية وتتعدد تجليات هذه الثقافة في النشاط الانساني لاغراض متعددة تتأسس على فهم خاص تتعاطاه هذه الفكرة.
وينقب المؤلف في خطابات الشعوب لاستجلاء ثقافة النار من العرب الى الاوروبيين والهنود، والفرس واليونان، ليكوّن ناظما معرفيا تستقي منه تلك الشعوب والاجناس تعاطيها لذلك المفهوم بحسب املاءات ثقافاتها وتقاليدها.
ولاستقاء رمزية النار يرى المؤلف ان تلك الرمزية: «ليست نقلا للمشاعر والافكار عن طريق الدلالة الوضعية المحددة للنار ولكنها تتجه للإيحاء بالمعنى والتلويح بالدلالة، بحيث نبحث عما يختلج تحت الجملة الشعرية او الحكاية او الاسطورة او سواها من النصوص التي تشف لمن يتأملها عن اشياء اخرى لا يفي بها الوقوف عند الظاهر على السطح».
ويفلسف بفهم عميق تلك الرمزية بحسب انواع الكلام الرمزي، من اصطلاحي وعرضي وجامع ليعيد فهم تعاطي ثقافة النار وفقا لهذه الانواع.
وفي الفصل الثاني من الدراسة «نيران العرب» يتجاوز المؤلف ما رصدته الدراسات النقدية لهذه النار كقيمة تاريخية الى استنطاقها كصياغة ابداعية تتقاطع من السياق الثقافي العام المتناغم مع صياغة الوجود الرمزي ويستقرىء انواعها الخمسة عشر معتمدا على ايرادات كتب التراث العربي في هذا الشأن ورابطا بينها مفهوم العلاقة الرمزية التي تندرج في الصياغة الثقافية كوحدة مفهومية في الثقافة العربية وطبيعة تلقيها وتعبيرها ازاء وجود النار في مفاهيم اجتماعية منقادة الى ضرورات حياتية يفسدها السلوك الرمزي ذاته.
اما الفصل الثالث «النار وتقاليد القصيد»:
فقد انبرى المؤلف من خلاله الى ديوان العرب وفي نماذج منه صيغت وفقا لتقاليد عمود الشعر العربي ومنهج كرس الى حد كبير النمطية والتكرار عدا ما استثناه من نماذج تضاءلت قيمتها الشعرية الفردية لشعراء متأخرين.
وقد جاءت الصياغة التحليلية لمفهوم «النار» لدى المؤلف برؤى دلالية تنوعت وتباينت بتنوع سياق النار في الشعر العربي القديم من نار الحرب الى نار الحبيبة ونار الخمر، ونار الشيب ونار المستنبح ونار الهاجرة مستبيناً من ذلك التنوع بواعثه النفسية ومساحة وجوده في النص الشعري معبرا عن الحالة الشعرية التي تعطي لهذه الدلالات مفاهيمها الخاصة وخطها الثقافي المنداح الى بيئة عربية يعبر الشعر عن حمولاتها المفاهيمية.
مع ما يؤكد عليه المؤلف من ان ثمة معيناً واحداً يستقي منه الشعراء العرب القدماء افكارهم تتجلى ملامحه في السياقات الشعرية.
وفي فصل بحث في «شعرية النار» قارب المؤلف بين الشعرية والجمالية خلال البحث عن الوجود الشعري للنار عبر فهم وظيفة اللغة وتشكيلاتها الفنية في النظر في المفردات اللغوية التي كونت نص هذه الشعرية وكيفية تعاطيها شعريا. وقد احتوى هذا الفصل نظرا في مفاهيم السياق الشعري لنصوص قليلة من التراث الشعري واخرى روائية من ازمنة سالفة ومعاصرة.
وقد استخلص منها المؤلف شعرية النار كقيمة ماثلة في السياق النصي وابعادها الاشارية والدلالية.
وكان صنيعه في هذا الفصل مكثفاً للحد الذي يتموضع تحليليا منهجهم في فحص البنى النصية وفهم مكوناتها الدلالية والرمزية وكيفية تعاطيها «النار» كشعرية كامنة في بنية النص بحسب خصوصيته الشعرية من مبدع وآخر..
وقد جاءت بنية الكتاب كمضمون تحليلي ممنهج في فصوله ومباحثه مركزة وواعية بتناولاتها وصياغتها الاجرائية لتكشف جانباً مهماً للتكوينات الاولية «للنار» ككائن تتعدد حوله سبل وطرائق الفهم والتعاطي ومن ثم الفعل والتفسير في ثقافات متعددة .. وصياغات ثقافية متنوعة لتكشف تجليه عبر هذه البُنى والاستخدامات.. ولتضيء مكامن معتمة في تشكلاته ومظاهره.
صدرت الدراسة عن المركز الثقافي العربي في طبعتها الاولى للعام 2002م في 176 صفحة.
|