يتساءل العديد من العاملين على خشبة المسرح أو بين كواليسها وهم يسترقون النظر والسمع: من هذا الجالس في الظلمة، ولِمَ يصمت محشورا في مقعده؟
ما تاريخه؟.. وما بناؤه النفسي؟.. وبماذا يفكر الآن؟؟
ورغم ان منتجي الثقافة (عموماً) ومنهم المسرحيون، يشيرون بوضوح لا لبس فيه، الى ان العملية الابداعية لا تتكامل دون جانب مهم لا يتعلق بالانتاج الفني، إنما بما سمي (المتلقي).. العنصر الأكثر حساسية والذي يستحوذ على مخيلة المبدع - خاصة حين يعبر المنتج (بفتح التاء) دائرة التأمل والتحسس الجمالي في ذات المبدع الى مرحلة الانجاز.. حينها يتشكل المتلقي في ذهن المبدع وذاكرته الفاعلة.. بل ويشاركه اسلوبه ليس باعتباره متفرجاً، إنما مشاركا ببنائية الرؤى .. وليس حكما إنما العنصر الاهم لمفهوم العصر الذي تتشكل فيه الدراما، على أساس ذلك يكون الجمهور حاضراًَ منذ البداية - وليس في ساعة العرض.. أو قراءة العمل.. أو التأمل في لوحة سمرت بدقة متناهية على جدار معرض واذا كان العصر قد انتج سماته الحضارية مجسدة بمختلف أشكال الابداع الفني فانه في نفس الوقت يكون قد أنتج (المتلقي).. باعتباره جزءاً مصغراً من مجموع الحركة البشرية الشمولية الانتاجية والعلمية التي تحمل على أكتافها المفهوم العام للعصر.. والذي ينعكس بدوره على ذوق وتحسس ومزاجية وفكر (المتلقي).
إن نظرة سريعة لتاريخ الدراما في كنف العصور المختلفة تجعلنا ندرك صفات المتلقي عبر تلك العصور.. ففي العصر الروماني على سبيل المثال.. نجد ان النشاط المسرحي من جانب والجمهور من جانب آخر قد ارتديا معا صفات العصر العامة (القوة، الصراع.. الاحتفالات الدموية.. ومن ثم الفلسفة السائدة آنذاك) حتى ان الدراما كما تؤكد الدراسات كانت تقدم كفقرات خاصة ضمن احتفال عام يعبر عن الصفة السائدة .. ويرتدي زيها.. وهي القوة.. وصراعات الموت المختلفة والتي تبدو لنا مثل حلم بفعل تغير العصر.
كما اننا نتلمس ان المنتج المسرحي اهتم بتدعيم ثوابت القوة.. والفروسية.. والسخرية مما عدا ذلك في ملاه كثيرة.. وذلك ما اتضحت معالمه في أعمال سنيكا وارستوفانيس وغيرهم وبما ان ملامح العصر قد تغيرت فيما بعد في العصور الوسطى، فان ذلك انعكس على الجمهور (المساهم الفاعل في العملية الابداعية).. لقد تغيرت هندسة مكان العرض، وطبيعة الدراما.. ومفرداتها.. ومن ثم الجمهور.. الذي رمي بعيدا عنه احتفاليات الموت.. والحروب.. وانتمى الى ملامح عصره الجديد، بعد ان ساهم بانتاجها فكريا وعمليا.. ثم غدا مادة العمل الدرامي.. ومشاهدها خاصة بعد ان انحسرت ملاعب العروض.. واستبدلت بأماكن مغلقة.. أحاط الجمهور فيها بمكان العرض المسرحي من ثلاث جهات.. وصار يصغي للمآسي.. والتراجيديا.. ويتقبلهما بفعل العصر.. وتغير المزاج العام، كما ان حضور الجمهور صار مرتبطاً بالعرض المسرحي بذاته.. ولوحده، وليس باحتفالات المصارعات الحرة والقتال الشديد وغير ذلك كما تجسدت في عصر مضى.
لقد أثرت التطورات العلمية والاكتشافات الحديثة على وسائل النشاط الانساني الحضاري كليا.. وصارت ملامح الحضارات هي سمات العصور.. وطابعها.. المرجع الأكثر وضوحاً ونقاء لدراسة العصر نفسه، كما ان تراكم التجارب والابداعات عززت المفهوم العام لكل حضارة من الحضارات على مختلف العصور اذا ما اعتبرنا ان تراكم الانتاج الحضاري عبر العصور يعزز ويغني هوية الحضارة ويبرز ملامحها الأكثر انسانية.. ونشاط الحضارات المتعددة والمختلفة أو المتقاربة يؤكد ذلك.
لقد تغيرت صفات الجمهور مع تغير العصور. وتغيرت المدارس الفنية والمزاج البشري العام بفعل أحداث بليغة شكلت انعطافاً في تاريخ المجتمعات وبنائها الاقتصادي والتربوي والنفسي وعلى الطبيعة بشكل عام.
لقد انتصر راسين للعواطف الانسانية بفعل الصفات العامة التي كان يتصف بها الجمهور.. كما ان ذلك انعكس على أعمال كورني لينتصر للقيم والبطولة مضحيا بعواطف ابطاله الذين شاركوه تلك التضحية التي تقبلها الجمهور لأنها تتآلف معه وتعبر عنه.
لقد عبر مولير باسلوب دقيق عبر مسرحيات كوميدية عن الأوضاع العامة للناس وقام بطرح نماذج مختلفة بأسلوب كوميدي كالبخيل.. والمتهور.. والمدعي، وسلط الضوء على أمراض المجتمع الارستقراطي.. ونال من تلك الحفاوة التي كانوا يتمتعون بها في عصور اخرى، وهذا بدوره انعكاس طبيعي للتفكير العام آنذاك، مع التأكيد على خطوة المبدع المبكرة.. وتحليله الأعمق والأدق والذي قد يشير الى قضية يشعر بها الناس دون ان يستطيعوا تحديدها بأطر واضحة ودالة.
لقد انحسرت المسافة بين المنتج والمتلقي في فترات قريبة حتى صارت اكتمال خطاب العرض المسرحي وتوضيح تأثيره وانحيازه للعامة يرتبط بخروج الآلاف من المتظاهرين بمسيرات عامة بعد عرض مسرحية ما، أو ان يولد النشاط المسرحي داخل تلك التجمعات التي تجمعها نظرية فكرية محددة ورؤيا للعالم ولحل مشاكل العصر، وهذا كله يشير بوضوح تام الى ان الجمهور مشارك في عملية الانتاج الفعلي للدراما بشكل عام.
لقد ذهب العديد من المبدعين عبر مراحل مختلفة من تاريخ الحركة المسرحية لايجاد نوع جديد يعتمد على تآلف المكانية والعرض فبرزت تجارب مسرحية في العديد من بلدان العالم قدمت في الساحات العامة للمعامل وفي النقابات وفي الريف كما هي تجربة المسرح الفلاحي وفي المقاهي والشوارع العامة، والسجون والاحياء الشعبية، بل وحتى في المصحات النفسية واعتبر النشاط المسرحي جزءاً من نظرية علاج عام للمرضى وللمجتمعات بشكل عام.. تدعو الى تدعيم المثل العليا وترسيخها في ذات الفرد.
ومما سبق نستدل الى طبيعة العلاقة بين المبدع والمتلقي التي يحكمها ويحدد اساليبها العصر.. سواء للمنتج أو المتلقي، وهنا لابد من الاشارة ولو بشكل سريع الى ان بعض الطروحات التي تؤكد ان واجب المنتج (بفتح التاء) تطوير ذوق المتلقي وتحسسه وقبوله وتفكيره بعد (النزول) للمستوى العام (ولي تحفظ كبير على كلمة نزول.. الا انني أشير إلى أنها تستعمل بكثرة وفي مختلف البلدان واينما يحتدم النقاش بين المسرحيين أنفسهم أو بين المسرحيين وغيرهم).
فالعلاقة التي أشرنا إليها والتي تحكم المنتج والمتلقي باعتبارهما شريكين متلازمين تهدم الهوة المفترضة والفرق الذي يشار إليه باعتبار ان المنتج والمتلقي يعيشان في كنف عصر واحد ساهما معا بانتاج صفاته وتوارثا معا الكثير منها، كما ان تمكين الذوق العام (السائد) في العملية الانتاجية المسرحية وجعلها تابعة له بشكل تام يذهب بنا لتعيين معنى صفات العصر الاساسية المتعمقة ومظهر العصر غير الدقيق والذي يخدع ابصارنا بمهارة.. والذي يتخبط في عماه الكثيرون، علما ان اختيار المرور وسطا بين هذه الرؤى وسلما بلا نزاع ليس هو الحل الأمثل.. لأننا بصدد عملية انتاج ذهنية ومادية فكيف يمكن ان يكون حلا.. اذا ما اخذنا بنطر الاعتبار أن أي منتج في أي مجال من مجالات الحياة العامة لا يمكن ان يرضي الا بتقديم رؤيته التامة وأن يذهب الى أفضل ما يريد وأبعد ما يستطيع وهنا نعود لحيرة العاملين على خشبة المسرح وبين كواليسه وهم يتساءلون:
من هذا القابع في الظلمة أثناء العرض؟ يؤسس خطابه الفكري.. دون ان يهمس أو يتحرك أو حتى دون أن نشعر بوجوده أثناء انشغالنا الجسدي والنفسي على خشبة التكوين الجمالي.. المسرحي.
أمير شمخي الحسناوي |