رغم تمسك الاعلام بأسلحته «الحجرية» من عصر ما قبل الثورة المعلوماتية إما حفاظاً من موظفيه على مورد رزقهم في وزارته وإما لتجاهلهم لما يدور حولهم وعدم معرفتهم بأن الرقابة قد أصبحت من مخلفات الماضي طالما انهم لم يستلموا تعميما رسميا بذلك بعد، فإن صحافة الرأي عندنا تعيش شيئا من الربيع وخاصة فيما يتعلق بايصال صوت المواطن في بعض القضايا الاجتماعية الى صاحب القرار، ونجد في جميع الصحف دون استثناء «عينة» قد تكبر او تصغر وقد تندرج في درجة ألوانها من الخافت الى الصارخ في التعبير عن ذلك الربيع أو أشواق تحقيقه فمن مطالب تعميم الخدمات الحكومية التي قد لا تصل لمواطني المناطق البعيدة بنفس الوفرة في المدن الرئيسية الى اثارة القضايا الصحية والتعليمية والادارية والاسرية وما اليه من المواضيع والقضايا التي تشغل بال المواطن وقد لا يجد السبيل للتعبير عنها لولا نافذة الصحافة ومن مقالات الشأن الداخلي الناقدة الى كاريكاتيرات الرأي الساخرة التي تهدف جميعا لتأسيس تقاليد نقدية هادفة تسهم في تصحيح تلك الصورة القديمة النمطية التي وفرت في ذهن الاعلام الخارجي والغربي تحديداً عن طبيعة العلاقة بين المواطن والمسؤول بالمجتمع السعودي، بالقدر الذي تسهم به في تصحيح بعض الجوانب غير المرضية في الأصل.
وفي هذا فان مقالاً كمقال د. عبد الله الفوزان في مساءلة المسؤولين بجريدة الوطن مما نشر في وقت غير بعيد أو كاريكاتيرا ككاريكاتير الهليل بجريدة الرياض ليوم الثلاثاء الماضي في التعبير عن الاختناقات المالية التي يعانيها ذو الدخل المتوسط وما دونه كأبو دحيم وأمثاله الذين يكاد يلتف حول أعناقهم قبل نهاية الشهر حبل 6 فواتير الماء والكهرباء والهاتف والاقساط الشهرية وايجار المنزل هي واجهة اعلامية هامة ومشرفة مما يمكننا ان نقول بها للعالم اننا مجتمع عادي مثل سائر المجتمعات نعاني من الاشكالات الاجتماعية ومثلها أيضا نملك الشجاعة للاعتراف بها بهذه الاشكاليات ولتحديد المسؤول عنها في سبيل حلها هذا بالاضافة الى الأهمية الداخلية لمثل هذه الرسالة في بناء قاعدة من الثقة والمكاشفة بين المواطن والمسؤول. ان تشجيع مثل هذا التوجه النقدي البناء في صحافتنا الذي لابد ان يسهم إذا أخذ مأخذ الجد في حل الاشكاليات ومواجهتها مواجهة مشتركة تشعر المواطن بدوره في اقتراح الحلول هو أحد أهم المفاتيح لبناء علاقة سوية وايجابية. وهو البديل الصحيح لذلك السلوك الاعلامي المتآكل الذي يسكت عن المصارحة ولا يجرؤ على النقد حرصاً على اظهار «صورة اعلامية براقة» للواقع تكاد تنتهي الى ان احدا لا يصدقها، وتقود لاستنتاج «خارجي» ان الضغط وحده هو الذي يكفل كل هذا «التلميع الاعلامي» حتى وان كان ذلك التلميع طوعياً من ذي المطامع الشخصية.
اننا ونحن نواجه «ما صار إكليشيهية» شعارية لكل من يريد ان يثبت ولاءه أو يظهر وطنيته الى الحملات الاعلامية الخارجية نحتاج الى فتح ملفات القضايا الاجتماعية التي كنا نرى امكانية تأجيلها أو السكوت عنها لآجال غير مسماة.
والدعوة الى ذلك لا تأتي بداعي الابتزاز للسلطة أو استغلال الظرف السياسي الراهن ولا يجب ان تؤول كذلك ولكنها تأتي بداعي ضرورة المواجهة المشتركة للتحديات كما ان الحاجة الملحة لفتح ملف بعض قضايانا الاجتماعية كاعادة النظر في مناهج التعليم، وتمكين المرأة والمشاركة السياسية والتخلص من الترهل الاداري والمحسوبية والتقنين الشرعي للحقوق والواجبات واتاحة منابر التعبير لا تأتي ولا يجب ان تأتي للدفاع عن أنفسنا امام «الهجمة الإعلامية» علينا من الخارج، كما ليس بالضرورة ان تأتي وفق تعريفات الخارج الغرب تحديداً لهذه المفاهيم انما يمكن بل ويجب ان تنبع من مرجعيتنا الاسلامية وبتحاورنا التعددي الجمعي ودون الانغلاق في وجه منجزات الحضارات الانسانية.
ان من حقنا على أنفسنا ان نقوم بالمراجعة كما هو حق الأجيال اللاحقة علينا وذلك ليس بنفي اوجه القصور في واقعنا من باب ان نقول اننا مجتمع «طيب ومثالي» ولا نستحق مثل تلك الحملات ولكن لأن مواجهة قضايانا الاجتماعية عبر النقد الهادف والهادىء وبالمشاركة الشعبية في الشأن العام هي احد الضمانات الاساسية لأن نكون مجتمعاً قادراً على مواجهة الحملات سواء كانت حملات إعلامية وسياسية او سواها من موقع المستقل الذي يملك من الاهلية والرشد الوطني والسياسي ما يمكنه من محاسبة النفس وليس من موقع من يعطي الآخرين لأنفسهم الحق في محاسبته وليس له إلا دفع التهم.ليس لنا ان نقف بانتظار الادارة الامريكية ان تأتي بمشاريعها «الديمقراطية» لتغير من واقع المنطقة، فأمريكا عندما زجت بجيشها من شباب جيل الستينيات الميلادية في فيتنام لم تزرع حقول فيتنام بأزهار الديمقراطية والعدل الاجتماعي بل زرعتها بما لا يحصى من الالغام والأطفال غير الشرعيين لجنودها، وأمريكا أو بالاحرى الادارات الأمريكية السابقة عندما مدت عصاها السحرية الى تشيلي وبنما لم توزع أقحوان الحرية على أي من الشعبين بل قامت باستبدال القيادات التي لا تريد بقيادات تتطابق معها في المصالح دون ان تستحي من شعوبها واذا كان هناك من يقول بأن تلك التجارب المشبعة بخيانة السياسة الامريكية الخارجية لحلم الشعوب بالديمقراطية تنتمي الى القرن السابق فاننا لا نظن ان تجربة الجيش الأمريكي في التوزيع العادل للدمار على الشعب الافغاني دون ان تلوح في الافق بوادر الاستقرار في ذلك المجتمع او بوادر الكفاية الاقتصادية لحاجاته الانسانية الملحة اللذان هما من ابجديات ايجاد الديمقراطية ما يدل على ان وعود امريكا بالديمقراطية ستكون في الألفية الثالثة أصدق من وعودها في تجاربها السابقة، وفي هذا فاننا معنيون بتغيير ما بأنفسنا وطرح مشاريعنا الاصلاحية البديلة والصادقة قبل ان يفوت الفوت ولا ينفع الصوت.
هذا ولله الامر من قبل ومن بعد.
|