Thursday 3rd October,200210962العددالخميس 26 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الصور النمطية: ثقافة التشويه وثقافة الأمثلة!! الصور النمطية: ثقافة التشويه وثقافة الأمثلة!!
د.صالح زياد

يخطئ من يظن ان الثقافة الغربية اضافت ، بعد الحادي عشر من سبتمبر، صورة جديدة في سجل وعيها بالعرب والمسلمين، فالمنعطف الذي شكله هذا الحدث هو في الدرجة لا في النوعية، وفي الكثافة والحجم لا في الكيفية، وبغض النظر عن الايديلوجيا ومصالح المنتفعين بتسويق هذه الصورة الظلامية القاتمة، يبقى للثقافة آليتها في تنظيم وعي بنيها وتشكيل المفاهيم وبناء التصورات.
وهي تصورات ومفاهيم تهمنا وتمس مصالحنا بالقدر الذي يمثله العالم الغربي من الثقل في موازين الاقتصاد والعلم والتقنية وصناعة المعلومات.
علينا، اذن ان نتساءل هل يمكننا ان نمحو الصور النمطية، عن العرب والمسلمين، من الذهنية الغربية، او ان نصلحها ونخفف من كثافتها؟ وفي اتجاه آخر: هل نستطيع احالتها من عائق الى حافز ومن ضرر الى فائدة؟ هل هناك سبيل نتوسل بها عبره الى ما يضيف الى وعينا الثقافي والحضاري؟
التساؤل، بهذه الكيفية، بالغ الضخامة، ومجرد طرحه والتعاطي معه يحملنا بالتداعي الى سلسلة مترابطة من اشكاليات الواقع العربي والاسلامي التي تتداخل على نحو لا يمكن فصل المشكل الثقافي عن الاجتماعي او السياسي والاقتصادي، وبالتالي لا يغدو المثقف وحده موضع المساءلة ومرتجى الاجابة، خاصة وانه، في العمق، وبكيفية ما، جزء من المشكلة.
ومع ذلك، يظل السؤال، ثقافيا، بالدرجة الاولى ليس لأن المشكلة ثقافية، بل لأن المثقف، بحكم التزامه وحساسيته الخاصة، واستشرافه، هو من يطرح الاسئلة، وهو، بشكل محدد، من طرح هذا السؤال، وبدأ،عملياً، في التعاطي معه.
جاك شاهين، في مؤلفاته، يبدو متخصصا في الكشف عن صور العربي والمسلم في الثقافة الشعبية الامريكية، بما يرينا نمطيتها وكاريكاتوريتها في آن. وهو يقدم، بهذا الصدد، خطاباً عقلانياً ذا صرامة ودقة، يوظف في اتجاهها منهجية محكمة تقوم على الاستقراء والتاريخ والتحليل، وتوثق مادتها بالاحالة الى الميديا والافلام بما يدلل على متابعة مباشرة وجهد مضن تمتد مساحته زمنياً الى ما يزيد على قرن، وتؤلفه مرجعيا مئات الافلام والمواد الاعلامية والسينمائية.
قراءة مؤلفات جاك شاهين تكثف الاحساس بوطأة هذه الصور، وتخرجها من المستوى العرضي والعابر والعفوي الى مستوى الظاهرة، ومن مستوى التفرق والانتثار الى المجموع والوحدة، والى التكرار والتواتر الذي يجعلها صناعة موجهة وذات هدف، لكنها صناعة فنية تتوافر لها شرطية السياق وتقنيات السرد والتمثيل وزاوية النظر والتناغم الهارموني، بما يخايل استمدادها من الواقع واحالتها الى حقائقه ومصداقيته، وهي لذلك تتضمن مشاهديها في بنيتها، مما يجعلها تجاوباً ثقافيا يحتم شذوذ المختلف عنها، ولا يرضى بغيرها بديلا.
يتخذ جاك شاهين، هنا زاوية للنظر، هي حساب التكرار وكيفيته، وهو منظور يتيح، من خارج السياق الثقافي لهذه المواد، رؤية التشويه، وعمديته الفاجعة.
ولذلك، يبدو خطاب جاك شاهين، عبر مؤلفاته، موجهاً الى العقلية الغربية والامريكية تحديداً، انه احتجاج صارخ!! وحين يتوسل، في احتجاجه، العقل والبرهان والتدليل بمقتضياتها العلمية والمنطقية، لا يتجرد من العاطفة والانفعال، بل يختلج بها اختلاجاً يحيل منهجيته الى مرافعة قومية وانسانية، تبتدئ بإعلانه تعمد التشويه والاساءة بالكشف عن آلية التكرار ثقافياً، والاشارة الى وجهته المقصودة التي يلخصها المثل العربي:« التكرار يعلم الحمار» By repetition even the donkey learnes (reel bad arabs)
وتمضي الى الاستعانة بتاريخ الحضارة العربية والاسلامية وما قدمته للانسانية من رموز العبقرية والابداع في حقول المعرفة المختلفة، وتنتهي بجردة افلام هوليود.
هكذا تغدو اعمال جاك شاهين جزءاً من رصيد العمل الثقافي العلمي الذي يكشف عن انساق الرؤية الغربية ويعريها من الداخل.
وجدواه، دون شك، ليست قاصرة على التأسيس المنطقي للاحتجاج والمرافعة، على اهمية وقيمة هذا التأسيس، بل تتجاوز ذلك الى الوعي العربي والاسلامي بعلاقاته مع الغرب التي تستبطنها البراءة، واحياناً السذاجة، في عالم ذي اظفار ومخالب، لا تمكن الاقوى من افتراس الاضعف، فحسب، بل تصوغ كيفيته بوصفه آخر، وتشكله كما تبتغي.
وهذا يكشف لنا، بالمقابل، عن الحاجة الماسة الى فعل نقدي ثقافي، داخل الثقافة العربية والاسلامية، يتسلح بوعي منهجي متقدم، وبرؤية واقعية، وشجاعة، ليكشف عن انساقنا الثقافية، وبنياتنا السلوكية الاجتماعية التي تخبئ من العقد والمركبات بقدر ما تدخر من الغرائز والنزعات.. وليرينا، في المبتدأ والمنتهى، اننا بشر لا نصنع ثقافتنا بقدر ما تصنعنا هي، وليست فوقنا في كل الاحوال، بل يفترض ان تكون، معرفيا علي الاقل، تحت ايدينا وامام اعيننا.
ان مهمة المعرفة الانسانية، في اطار الذات الثقافية والحضارية، مهمة صعبة ومعقدة، وطريقها، دائماً، مليء بالعوائق والجدران، فالذات الثقافية والحضارية تتغول وتستأسد في وجه بنيها، وهذا هو ما يفسر امثلتها الدائمة، واحاطتها بالطوباوية من جهة، ويجعل، من جهة اخرى، نقدها عقوقاً ومروقاً لا مكان له الا في معسكر العدو، ولا وظيفة له الا الحرب عليها.
الاستسلام لتشويه الآخر للذات وشيطنتها هو المعادل تماماً لغرور الذات وملائكية نسقها الثقافي، فالوجهان معاً يحاصران الذات بما يفسد الفعل الانساني فيها، ويتلفها، ويجوفها من الداخل.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved