لا ادري كم عدد الذين تذكروا ان الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني مات مقتولاً قبل ثلاثين عاماً على يد عملاء الموساد الاسرائيليين، او ان كان شيئاً قد كتب حول هذه المناسبة. والاقرب هو ان تمر مثل تلك الذكرى الحزينة مرور الكرام على الاعلام العربي ومن يعمل خلاله من المثقفين والكتاب، على العكس تماماً من ذكرى انتحار همنغوي او موت رامبو او غيرهما من اعلام الآداب الغربية، فذكرى مثل هذه الاحداث الاخيرة ستمر مرور «غير الكرام»، تتريث طويلاً لتنال حظها الوافر من الاهتمام فتفرد لها الصفحات الطويلة وتطول الاشادة بعظمة الكاتب.
ولكي لا يظن انني هنا ادعى قدرة على تذكر الاحداث المهمة والتنبه دون غيري لاهمية الكتابة حولها، سأقول بانني لست افضل من الكثيرين غيري، فقد علمت عن تلك الذكرى صدفة اثناء عملي على ورقة كنت اعدها لمؤتمر حول الهوية تناولت فيه الادب الفلسطيني مقارناً بنظيره الاسرائيلي. وقد جاءت المعلومة - وياللمفارقة! - من باحثة امريكية اهتمت بكنفاني الى حد الاشتراك مع زميلة لها في ترجمة بعض قصص ذلك الكاتب المميز لتنشرها في الولايات المتحدة. وقد كتبت الباحثتان مقدمتين مهمتين عنه وعن اعماله. عنوان الكتاب «وهو بالانجليزية»: «اطفال فلسطين: عائد الى حيفا وقصص اخرى» (بولدر ولندن، 2000).
في المقدمة الاولى للكتاب، وفي مقدمة سيرية «بايوغرافية» تشير كافين رايلي الى مقتل كنفاني في الثامن من يوليو عام 1972م في سيارة مفخخة نصبها له عملاء الموساد، وفيما يلي بعض التفاصيل كما اوردتها الناقدة الامريكية:
في الثامن من يوليو 1972 ركب غسان كنفاني سيارته مع لميس، ابنة اخته.. وكان غسان يحبها كثيراً منذ ولادتها. فقاد كان منذ ولدت يرسل لها كل عام كتاباً من القصص او الشعر خطه بيده مع رسومات اعدها بنفسه، حين ادار غسان محرك السيارة انفجرت العبوة لتقتلهما معاً.
في هامش المقدمة تورد الباحثة معلومات توثق حقيقة مرتكبي الجريمة فتذكر انه في 22 يناير 1973م نشرت صحيفة «الجيروزاليم بوست» تقريراً يفيد ان عملاء اسرائيليين كانوا مسؤولين عن اغتيال غسان كنفاني ثم تشير الى ان زئيف شيف، مؤرخ القوى العسكرية الاسرائيلية، يقول في كتاب له ان اغتيال كنفناني وغيره كان رداً على العمليات الفلسطينية، ويضيف:« ان اسرائيل حريصة على عدم الافتخار رسمياً بأعمال كهذه».
هذا الكلام له اهميته في زمن اصبح قيام اسرائيل بمثل ما قامت به تجاه كنفاني من الاحداث العادية جداً، فلم يعد اغتيال الفلسطينيين، سواء كانوا من وزن كنفاني او غير ذلك، مما يسترعي الكثير من الاستغراب، لكننا ونحن نعيش ايام الحرب على الارهاب، بل كون اسرائيل تدعي أنها على رأس تلك الحرب، فاننا نحتاج الى التذكير بالطبيعة الارهابية لتلك المؤسسة العسكرية المجرمة، لاسيما حين تمتد الى كاتب وفنان مبدع مثل كنفاني لتغتاله مع طفلة بريئة، ثم تدعي بعد ذلك انها كيان ديمقراطي متحضر.
قبل ثلاثين عاماً غيب الاسرائيليون غسان كنفاني وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ولا اظن كثيراً من ابناء الجيل الجديد من امتنا العربية الاسلامية يعرفون سجل ذلك الكاتب المميز، فاعماله ليست متوافرة للبيع في المكتبات حسب علمي، وقلة من النقاد والباحثين يتناولونها بالتعريف والتحليل. لذا كانت دهشتي كبيرة ان يصلني الكتاب الذي اشرت اليه قبل قليل بما تضمنه من اهتمام، ومن اين؟ من الولايات المتحدة الامريكية، حيث بعثت به دورية امريكية مرموقة لكي تكتب مراجعة له، واود ان اعترف هنا بأن حالي قبل وصول الكتاب لم تكن بأفضل من حال كثير من ابناء الجيل الجديد، او بعضهم على الاقل، فقد عرفني الكتاب بكنفاني على نحو لا اظن كتاباً عربياً قادراً على انجازه، فمستوى التحليل والتوثيق رفيع الى درجة غير شائعة في العالم العربي، ولك ان تقارن حجم المعلومات الواردة فيه بما ورد ضمن الآثار الكاملة لكنفاني كما نشرتها مؤسسة غسان كنفاني الثقافية بالمشاركة مع دار الطليعة في طبعتين عام 1972م و 1980 ففي المجلد الخاص بالروايات نجد مقدمة قصيرة كتبها احسان عباس لرواية واحدة من روايات المجلد هي رجال في الشمس، ولعلها اشهر روايات كنفاني، وليس من الواضح انها كتبت خصيصاً للمجلد. اما الروايات الست الاخرى فلم تحظ بأي تقديم، كما ان المجلد لم يحتو على تعريف بالكاتب او بظروف وفاته علماً بأنه طبع بعد تلك الوفاة بأربعة اشهر.من اللافت في كتابات كنفاني انها ليست معنية بمعاناة الفلسطينيين في الاراضي المحتلة فحسب، وانما ايضاً في الوطن العربي نفسه، حيث تبدو المعيشة اسوأ احياناً. وهذا الاسوأ هو بالضبط ما تتناوله رواية رجال في الشمس علماً بأن وصفها بالرواية غير دقيق لقصرها النسبي، فالبعض قد يرى ان وصفها بالقصة الطويلة - نوفيللا - هو الانسب، وهو ما يصدق الى حد كبير على اعماله الروائية الاخرى». في ذلك العمل القصصي المميز الذي منح كنفاني شهرة لم يعرفها من قبل نقابل ثلاثة فلسطينيين يذهبون الى الكويت بحثاً عن عمل، لكن محاولتهم دخول الكويت بطريقة غير شرعية تفشل على نحو مأساوي. ذلك انهم يجيئون مختبئين في شاحنة للماء «وايت» ويؤدي انتظارهم امام المخفر الحدودي الى اختناقهم واضطرار سائق السيارة الى التخلص من جثثهم ضمن القمامة المتراكمة خارج مدينة الكويت بعد ان يستولي على ما في جيوبهم من مال وممتلكات.في عمل هذا يفرد الواقع بما يعج به من تناقض ورعب، بما في المجتمع من استغلال بين ابناء الشعب الواحد قبل الغرباء والاعداء، كما نلاحظ من تعامل المهربين في الاردن والعراق مع اولئك الفلسطينيين الذين لا يملكون اقامات مشروعة. ويؤدي هذا وغيره من تعقيدات تخالف الصورة المثالية في الذهن الى طرح التساؤل حول بعض القيم الاساسية التي قلما تكون محل نقاش، مثل الوطنية او التفاني في حب الوطن. فسائق الشاحنة التي تقوم بتهريب الفلسطينيين كان هو نفسه، ونتيجة لعملية داخل الارض المحتلة، ضحية لعملية جراحية افقدته قدرته الجنسية، كما يتضح من تساؤله المرير: ثم ماذا نفعتك الوطنية؟ لقد صرفت حياتك مغامرا، وها انت ذا اعجز من ان تنام الى جانب امرأة؟ وما الذي افدته؟ ليكسر الفخار بعضه. انا لست اريد الا مزيدا من النقود.. مزيدا من النقود.تساؤلات مشابهة تطرحها الشخصية الرئيسة في رواية عائد الى حيفا، كما يطرحها غسان شخصيا ضمن ملاحظات مباشرة ورد بعضها ضمن الكتاب المنشور في الولايات المتحدة، الذي اشرت اليه قبل قليل، حيث تشير الباحثتان كيفن رايلي وباربرا هارلوا الى كنفناني بوصفه كاتبا كبيرا يمكن مقارنته ببعض اهم كتاب الغرب. فهما تقارنانه بالروائيين الايرلندي جيمس جويس والامريكي وليم فوكنر، عملاقي الرواية في القرن العشرين، وذلك على مستوى ما انجزه كل منهم لوطنه:« ما انجزه جيمس جويس لدبلن ووليم فوكنر للجنوب الامريكي، هو ما انجزه كنفاني في قصصه لفلسطين». والانجاز المشار اليه هو في الربط الحميم بين التاريخ والارض من اعمال اولئك الكتاب.في المقالة القادمة سأتوقف ان شاء الله عند «عائد الى حيفا»، ذلك العمل المميز في بنائه وتساؤلاته، لاسيما فيما يتصل بمفاهيم اساسية كالوطن والانسان، وكذلك في مواجهته للآخر وما يطرحه من حضوره من اشكالية حول الهوية والانتماء، الى غير ذلك من مسائل.
|