Thursday 3rd October,200210962العددالخميس 26 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

العراق: لا يجب القفز فوق المراحل العراق: لا يجب القفز فوق المراحل
دومينيك دو فيلبان

في مواجهة الأزمة العراقية، يعيش المجتمع الدولي أوقاتاً حاسمة من تاريخه.
يتعين على كل دولة تضطلع بمسؤولياتها، وفرنسا مصممة، أكثر من أي وقت مضى، على الحفاظ على توجه واضح في هذا الشأن.
نعم، يمثل العراق تهديداً محتملاً للأمن الاقليمي والدولي. نعم، تمثل مكافحة انتشار اسلحة الدمار الشامل رهانا أساسياً لمستقبل كل واحد منا. نعم، لقد تحدى العراق المجتمع الدولي عندما قام بإخفاء برامج حول هذه الأسلحة، وإذا لم يكن العراق يمتلك بعد وسائل نووية، فكل الدلائل تشير الى أنه استعاد قدرات بيولوجية وكيمائية.
واجبنا، في مواجهة هذا الرهان، هو الجمع بين الحزم ووضوح الرؤية، فغداة اعتداءات الحادي عشر من سبتبمر/ ايلول، سمح تضافر الجهود في إطار مكافحة الارهاب بالتوصل الى نتائج، وفيما يتعلق بالعراق، يتعين علينا تجديد هذه الوحدة حول إرادة جماعية، ألا وهي مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل، تلك هي الأولوية التي يجب الاخذ بها. وفرنسا ليست بصدد مهادنة بغداد، ولكنها ترى أن العمل الذي من شأنه ان يهدف الى تغيير نظام حكم سيتعارض مع قواعد القانون الدولي وسيفتح الباب أمام الانحرافات كافة عن الطريق الصحيح.
منذ الخطاب الذي ألقاه مؤخراً الرئيس بوش، واعترف فيه بالدور الأساسي للأمم المتحدة، بات من الممكن استكمال النقاش في هذه المنظمة التي شهدت توافقا واسعا بدأ في الظهور. وأمام هذه الوحدة، أعلنت بغداد في السادس عشر من سبتمبر/ ايلول أنها وافقت على عودة المفتشين الدوليين بدون شروط. ويتعين على عمل هؤلاء المفتشين ان يؤدي الى القضاء على كافة اشكال أسلحة الدمار الشامل والحيلولة دون إعادة التسلح في المستقبل. ويجب الا ننسى ان العدد الأكبر من هذه الأسلحة تم تدميرها بواسطة أعمال التفتيش التي تمت بين أعوام 1991 و1998م أكثر منها أثناء حرب الخليج.
إن الخطر الذي يمثله العراق هو أمر يعني الشعوب كافة وشعوب الشرق الأوسط في المقام الأول. فمع هذه الشعوب يمكننا الوصول الى حل دائم. ولقد أعلنت دول منطقة الشرق الأوسط بأنها ستساند عمل يتم تقريره بواسطة الأمم المتحدة. وعلينا ادراك هذه الرسالة.
إن الانظار موجهة كلها اليوم نحو الأعمال التي ستجرى في مجلس الأمن. وتتيح الخطوة التي اقترحها السيد رئيس الجمهورية، والمبنية على مرحلتين، الحفاظ على وحدة المجتمع الدولي وإضفاء طابع الشرعية على أي تحرك وتحقيق مطلب الفاعلية، يجب على العراق ان يحترم القواعد الدولية، وإذا رفض الامتثال لهذه القواعد، عندها يمكن اتخاذ التدابير الضرورية. وهذا هو الطريق الوحيد لإجراء عملية مراقبة لكل مرحلة من مراحل الأزمة.
يتعين إذن في مرحلة أولى، الوصول الى اتفاق في مجلس الأمن حول نظام تفتيش يضمن ان يضطلع من خلاله المفتشون بمهامهم كاملة وبدون اية معوقات، وفي حال خرق النظام العراقي هذه الالتزامات، سيقع عندئذ الأمر على عاتق مجلس الأمن لتقرير الإجراءات الواجب اتخاذها. لا يجب القفز فوق المراحل، نحن لا نريد اعطاء توقيع على بياض لعمل عسكري لأننا نريد تولي مسؤوليتنا حتي نهاية المطاف، لعل هذا هو السبب في كوننا لا نستطيع قبول قرار يسمح من الآن باللجوء الى القوة، بدون الرجوع الى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
تشارك فرنسا رغبة الولايات المتحدة في حل أزمة تهددنا جميعا، ولكنها ترفض المجازفة بعملية قد لا تأخذ في الحسبان متطلبات الأمن الجماعي كافة بصورة كاملة.
وما نحن بصدده أكثر من الأزمة العراقية، هي المبادئ الرئيسية للمجتمع الدولي التي يتعين وضعها في الحسبان، الاستقرار والإنصاف والمسؤولية.
لا يزال الاستقرار مطلباً استراتيجياً وإذا كان نزع التسلح العراقي يمثل امراً يلزم تحققه، فيجب ان يتم في ظروف تعزز النظام الدولي، بدون اضافة عوامل جديدة للفوضى في منطقة تعاني اصلاً من وجود مفرط لهذه العوامل، وبدون فرض مخاطر جديدة للمواجهات في هذه المنطقة التي تعد من أكثر مناطق العالم معاناة من الشقاقات.
وبالنسبة لفرنسا، النظام ليس معناه الضعف أو العجز، ولكن اعمال الإرادة ووضوح الرؤية لصالح تسوية دائمة للأزمات.
يشكل الإنصاف الركيزة الثانية للسلام. وفي سياق العصر الحالي الذي يتسم بالطابع العاجل للأمور وبترابطها بعضها ببعض، فالظلم يؤدي الى الثورة، والثورة تؤدي الى الفوضى، والفوضى تؤدي الى العنف، وذلك في دائرة شيطانية تنعكس على دولة تلو الأخرى ومنطقة تلو الأخرى وقارة تلو الأخرى. في الوقت الذي يصمم فيه المجتمع الدولي على تسوية مشكلة نزع التسلح العراقي، عليه في الوقت نفسه ان يوجه انظاره تجاه أزمة الشرق الأوسط من أجل استعادة السبل الى تسوية.
أخيراً، تمثل المسؤولية الجماعية ضرورة اخلاقية وسياسية، ضرورة أخلاقية، لأن النظم الديموقراطية تفرغ من معناها في حالة عدم احترامها، على الصعيد الخارجي، للمبادئ التي ترتكز عليها داخليا. وضرورة سياسية، لان الطابع الجماعي للقرارات هو وحدة القادر على ضمان الشرعية اللازمة لأي عمل ذي تأثير عميق، منطقي مع نفسه وفعال، والقوة لا يمكن ان تكون سوى آخر الخيارات.
ان القرارات التي سيتم اتخاذها غدا ستشكل وجه العالم الجديد، وستؤثر طريقة معالجة الأزمة العراقية في شكل هذا الوجه الجديد للعالم وروحه. وسيعتمد الأمن الجماعي على تصميم المجتمع الدولي على فرض احترام القانون إلا ان النظام العالمي الجديد لا يمكن ان يبنى على المدى البعيد إلا من خلال روح المشاركة والمبادلة. وأمام تصاعد مشاعر الخوف وعدم التسامح، وتفاقم اشكال التوتر وسوء الفهم، فإن التقارب بين الشعوب يجب ان يمر عبر العمل الدؤوب على تعزيز مجتمع يصون القيم والقواعد والإدراك بوحدة المصير. وهذا التقارب لابد ان يحيا عبر احترام الآخر من خلال حوار حقيقي.

* وزير خارجية فرنسا

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved