أمضت أوروبا شطراً طويلاً من تاريخها في حروب مدمرة ومهلكة، تلك الحروب التي كانت تتخفي خلف العقائد والمذاهب والأيدلوجيات، وما حرب المائة عام بين فرنسا وإنجلترا إلا صفحة من ذلك التاريخ تبرز لنا قسوة ومرارة الصراع آنذاك، لا سيما بأنه كان صراعاً أيدلوجياً يتخذ له طابعاً عقائدياً صرفاً، ولقد ظل الصراع محتدما بين الدولتين نتيجة للاختلاف المذهبي بين الكاثوليك في فرنسا «أتباع البابا في روما» وبين البروتستانت في إنجلترا، وقد ضج مفكرو أوروبا وفلاسفة التنوير إلى أن صاح فولتير صحيته الشهيرة «اسحقوا هذا العار.. هل هذه البلاد موطن الفلسفة والسعادة أم أنها بلاد المجازر والقتل؟».
حينها كان يعبّر عن خلفية مرعبة تحول اليها الصراع بين الكاثوليك في فرنسا والبروتستانت في انجلترا، حيث كان لا يسمح في مدينة «تولوز» الفرنسية التي يقطنها فولتير لأي بروتستانتي بأن يكون محامياً او طبيباً صيدلياً او بقالاً او بائع كتب، بل حكم على امرأة بغرامة قدرها ثلاثة آلاف فرنك لأنها استعانت بقابلة بروتستانتية لتوليدها!!.
وكانت إحدى الفرنسيات قد دفعت وأغرقت في بئر لتجبر على إعلان تحولها من البروتستانتية الى الكاثولكية، وكان شاب صغير في السادسة عشرة من عمره قد اعتقل بعدد من التهم حول هذه القضية وقطعت رأسه.
جميع هذه الحوادث وسواها جعلت مفكري عصر التنوير في أوروبا يصيحون صيحة واحدة «اسحقوا هذا العار....».
إنها صيحة ضد الظلامية ضد الفكر الاحادي المطلق الذي يسعى الى قتل الآخر وسحقه وتصيفته عقاباً له لاختلافه، صيحة ضد الضمور الفكري والتزمت والخلاف المذهبي بين الكاثوليك في فرنسا «أتباع الكنيسة البابوية في روما» وبين البروتستنانت في إنجلترا، ضد السذاجة والضحالة والاكتفاء بنمطية يظن البشر من خلفها بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة دون العالمين، وسواهم ليسوا إلا مجموعة من الكفرة والزنادقة.
صيحة ضد المسلمات الثقيلة الجاثمة ضد أجنحة الروح الخلاقة المبدعة التي خلقها مبدع الكون منطلقة متفكرة متدبرة في ملكوته.
صيحة قادت اوروبا الى لملمة أوجاعها ورتق جروحها وانتهت الى جسربطول خمسين كيلو مترا يجمع بين فرنسا وإنجلترا في مضيق بحر المانش، جسر ترمم به أوروبا أحزانها وندوبها وخزيها وتاريخها الطويل مع غيلان الظلام ومحاكم التفتيش وملايين الأرواح التي ازهقت نتيجة لبشر عصابيين ومجانين ومأفونين، ويظنون بامتلاكهم الحقيقة المطلقة دون العالمين.
|