للإنسان - وأي إنسان - مع نفسه هواجس وخواطر، قد تدعو إلى أمور عديدة، منها الحسن ومنها القبيح، ومنها الخاص ومنها العام، تبدأ بأمور ومؤثرات، لتعتمل في الخفايا الباطنية، ولتزداد الهواجس، وتتكاثر عند الإنسان.. عندما يمرّ به أمر يهمه، حيث تبدأ المراجعة والمحاسبة عما صار، وما ينبغي أن يصير، محاولاً أن يطرد عن نفسه السأم، أو يخفف عنها المصاب، في مناجاة مع نفسه التي تراكمت عليها الهموم، التي حركت قلبه، واستولت على مشاعره المتيقظة.. وقد تتحول هذه الهواجس إلى مرض نفسي كالكآبة.
والمؤمن هو الذي يحرص في هذه المناجاة، أن يلتمس في المؤثر الإيماني ساعة يثوب فيها إلى رشده، لعل هذا الإحساس يكبر مع التذكر لمواقف مرت في عقيدته: نصاً شرعياً، أو قدوة حسنة، ليقتبس منها بشاشة لفؤاده تثبت هذا المؤثر في سويداء القلب، ليحصل من هذه المناجاة، خير يعود عليه: حاضراً ولاحقاً، ومصلحة ظاهرة تجلو غشاوة الغفلة، وتطرد الخواطر الضارة.
فالموت عندما يحل بقريب أو صديق حميم، أو عالم مرموق له مكانته، أو غيرهم ممن لهم تأثير اجتماعي، بحسب كل مصيبة تنزل، فإن هذا مما يبعث على مناجاة النفس، كل بحسب منزلة الإيمان من قلبه.
وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تربوا في مدرسة النبوة: يطلبون وقتاً يتذاكرون فيه، ويقول بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن ساعة.. لما في ذلك من دور في محاسبة النفس، عندما تخلو للمناجاة.
وما أكثر ما يناجي أهل الفكر والورع أنفسهم، ويجادلونها في موقف من المواقف، ذلك أن النفس التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، على ثلاثة أنواع:
* وإذا كانت النفس لها خطرات ونزعات، فإن لها مع صاحبها مناجاة ومحاسبة، واتجاهات في المسيرة، تنفلت إلى الهوى والرغبات، إذا اسلم لها القياد، حيث تستجيب لنداء الشرّ، الذي يقودها للمهالك، وهذا يكون عند الاغنصراف عن النداء الإيماني الذي به مقود العمل إلى الخير، وكل نافع، فحينئذ تشعر بالندامة التي ما بعدها ندامة، ولكن بعد فوات الأوان.
وترعوي ويكبح صاحبها جماحها، إذا أراد الله له الهداية، ووفق الى التبصر وإدراك مواطن الضعف في نفسه الأمارة بالسوء، لتكون نفساً لوامة، تلوم صاحبها على التقصير في الواجبات، وتناجيه لوماً في سرعة الإنجذاب مع الهوى، والضعف عن الاتجاه في الطريق الصحيح، الذي رسمته شريعة الله سبحانه.
فالإنسان لا بد له من وقت يخلو فيه بنفسه، ليقيّم عملها، ويحاسبها علي التقصير والخمول، أخذاً من القول المأثور: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله».
ولقد روي لبعض السلف من علماء المسلمين، أنه كان يخلو الساعات بنفسه، قابضاً على لحيته، يناجي نفسه في مناقشة عما عملت، وما وراء هذا العمل، في ميزان للعمل الإيماني، وربط الأمر بالمصدر الشرعي حتى ترتاح نفسه {أّلا بٌذٌكًرٌ اللهٌ تّطًمّئٌنٍَ القٍلٍوبٍ} .
فهذا الصحابي الجليل في معركة مؤتة عبدالله بن رواحة رضي الله عنه، لما قتل صاحباه في تلك المعركة جعفر وزيد رضي الله عنهما. تسلّم الراية، كما هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحجم قليلاً عندما تكاثر الروم على المسلمين، مع قلة المسلمين، فبدأ يناجي نفسه، ويحاسبها على هذا التهيب، ليدفعها للتقدم فيقول:
يا نفس إن لم تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنّيت فقد لقيت إن تفعلي فعلهما هديت وإن تأخرت فقد شقيت |
وهو يعني صاحبيه: زيد وجعفر، الشهيدين في هذه المعركة، ثم قال في مخاطبته لنفسه: يا نفس إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانة فهي طالق، - يعني امرأته، وإلى فلان وفلان - غلامان له - فهم أحرار، وإلى معجف - حائط له بالمدينة - فهو لله ولرسوله.. ثم أنشأ يناجي نفسه ويعاتبها:
يا نفس مالك تكرهين الجنّة أقسم بالله لتنزلنّهْ طائعة أو لتكر هنّه فطالما قد كنْتِ مطمئنهْ هل أنت إلا نطفة في شنّه قد أجلب الناس وشدوا الرّنه |
(أسد الغابة: 3:73).
وإن من مناجاة النفس، ومحاسبتها، الانتباه للأمور من حولنا، وماذا في الحياة، من حوادث تكتنفها، ومطامع يتخذ لها الأعداء أساليب ومبررات، رغبة في التمويه على النوايا، وكثير منا لا يهتم بما وراء ذلك، من تنبيه للغافل، ومسارعة في عقاب المقصّر، المسيء على نفسه وعلى مجتمعه، وربط ذلك بدلالة الآية الكريمة:
ومن تلك الحوادث، ما يسلط على المسلمين، إعلامياً، المليئة بالافتراء والكذب، وما تفيض به الفضائيات من شرور وغثاء يهدم الأخلاق، وتلبيسات تسمم الأفكار، وبرامج تخدّر الشباب من الجنسين، وتمهد تدريجياً لغسل المخ، وقلب الموازين.. كلها موجهة ضد شباب الإسلام: رجالاً ونساء ضمن ما يوجه لإبعادهم عن دينهم وقضيتهم. هذا إلى جانب ما يمرّ ببعض الجهات في كل مكان، بين حين وحين من كوارث كونية تأتي لإيقاظ الغافل، وتنبيه النائم، ولكن الناس عنها غافلون كالزلازل التي ينظر إليها بعضهم، على أنها ظواهر كونية تأتي بمقادير حسابية معروفة علمياً، كالكسوف والخسوف والحرارة والبرودة، وغيرها دون أن يحرك في القلب ساكناً.
ذكاء ووفاء:
جاء عند الطبري أن زياد بن عبدالله قال: أتيت الشام، فبينما أنا يوماً على باب هشام، إذ خرج رجل من عنده، فقال: ممن أنت يا فتى؟ قلت: يماني. قال: فمن أنت: زياد بن عبدالله، فتبسم ثم قال: قم إلى ناحية العسكر، فقل لأصحابي: ترحّلوا فإن أمير المؤمنين قد رضى عني، وأمرني بالمسير، قلت: فمن أنت؟ قال خالد القري، ثم قال: ومرهم يا فتى أن يعطوك منديل ثيابي وبرذوني الأصفر، قال: فلما جزت ناداني وقال: يا فتى إذا سمعت بي قد وليت العراق فالحق بي.
فذهبت إليهم وقلت لهم ما قال لي، فجعل هذا يقبّل رأسي، وهذا يحتضنني، فلما رأيت هذا منهم قلت: وقد أمرني أن تعطوني منديل ثيابه، وبرذونه الأصفر، قالوا: أي والله حبا وكرامه، فأعطوني ذلك. فما أمسى أحد بالعسكر أجود ثياباً ولا مركباً مني.
فلم ألبث إلا يسيرا، حتى قيل: قد ولي خالد العراق، فركبني همّ. فقال لي عريف لنا: مالك؟ قلت: قد قال خالد كذا وكذا، وقد أصبت هاهنا رزيقاً عشت به، وأخشى أن أذهب، فيتغيّر عليّ فيفوتني هذا وذاك، فلست أدري كيف أصنع؟ فقال: هل لك في خصلة؟ قلت: ما هي؟. قال: توكلني بأرزاقك وتخرج، فإن أصبت ما تحب فلي أرزاقك، وإلا رجعت دفعتها إليك. فقلت: نعم وخرجت.
فلما قدمت الكوفة لبست من صالح ثيابي وأُذن للناس فتركتهم حتى أخذوا مجالسهم، ثم دخلت فقمت بالباب فسلمت ودعوت وأثنيت فرفع رأسه فقال: أحسنت، فما رجعت لمنزلي حتى أصبت 600 دينار بين نقد وعَرَضْ.
ثم كنت اختلف إليه يومياً فقال لي: هل تكتب يا زياد؟ فقلت: أقرأ ولا أكتب. فضرب بيده على جبينه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، سقط منك تسعة أعشار ما كنت أريده لك وبقي لك واحدة فيها غنى الدهر، فقلت أجعلها في ثمن غلام؟ قال: وماذا حينئذ؟ قلت: تشتري لي غلاماً كاتباً فيعلمني. قال: هيهات قد كبرت عن ذلك.
قلت: كلا، فاشترى لي غلاماً كاتباً حاسباً بستين ديناراً وجعلت اختلف لا آتيه إلا ليلاً واكببت على الكتابة، فما مضت إلا خمس عشرة ليلة، حتى كتبت ما شئت، قال: فإني عنده ليلة فقال: هل تعلمت من ذلك شيئاً، قلت: نعم اكتب وأقرأ ما شئت. قال: أراك ظفرت بشيء يسير فأعجبك.
قلت: كلا. قال: أقرأ هذا الطّومار - أي الصحيفة -، فقرأت ما بين طرفيه، فإذا هو من عامله على الريّ فقال: أخرج فقد وليتك عمله [تاريخ الطبري 8:181]
|