تضمن الحديث في الجزء الأول من هذا المقال التركيز على إدراك خطاب سمو وزير الداخلية للمهمات والأعباء الإضافية التي يتحملها رجل الأمن في بلادنا والتي مردها خصوصية المملكة، وتميزها بقدسيتها، التي جعلتها تستقطب الملايين، المختلفة وجهة القدوم، والمتباينة الأهداف والرغبات.
ولعل هذه الخصوصية التي حملت رجل الأمن عبئا إضافيا كانت نقطة بارزة في فهم الأمن لدى الخطاب حيث إن المسؤوليات الإضافية كتلك، تحتاج إلى مهارات مهنية مميزة تتوفر لدى رجل الأمن تمكنه من التعامل مع تلك المسؤوليات وترفع من كفاءته في التعامل مع التحديات الجديدة ومع المتغيرات المتلاحقة في بلد فرض تميزه وقيادته السياسية، كما فرض موقعه ومكانته الدينية، اتساع رقعة العمل الأمني وتعدد مجالاته. مثل هذه المسؤولية كان واضحاً في الخطاب أنها تستدعي مهارات خاصة ونوعا من التدريب للتعامل معها، ولذلك جاءت آمال سمو وزير الداخلية وتطلعاته لدى المؤتمرين من رجال الأمن بأن تثمر اجتماعاتهم برفع كفاءة رجل الأمن ومهاراته المهنية التي تواكب الظروف الخاصة التي فرضتها عليه المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقه.
ولاشك ان إعداد العدة ومراعاة الاحتياجات الخاصة والفردية، تعتبر قيادة أمنية رائعة وتميزا في الرؤية وبعد النظر؛ فلكل حالة خاصة احتياجاتها ومتطلباتها التي قد لاتتوافق مع الحالات الأخرى، وبالتالي قد لايتحقق لها الإشباع في حالات التعامل بالعموم مع جميع الحالات، ولذلك فإن جميع الدراسات والنظريات الحديثة تركز على ضرورة ان يكون تصميم وإعداد المتطلبات مبنيا على حاجة وأهداف الفرد لا المجموعة، والخصوص وليس العموم.
يتوجه الخطاب أيضاً إلى التركيز على مفهوم الشراكة الأمنية الشاملة، وهو مفهوم متقدم أثبت نجاحه في معظم الدول المتقدمة، ولاشك أن هذا المفهوم يختصر المسافات ويقلل النفقات لتحقيق رسالة الأمن، هذا المفهوم يقوم على تقسيم المسؤولية الأمنية بين رجال الشرطة وبين المواطن فهو لايقصر مسؤولية حفظ الأمن على الرجل المكلف بحفظها -وهو رجل الشرطة - بل ينقلها إلى الأفراد والمواطنين في كل مكان. والشراكة الأمنية تؤكد على أن هناك رسالة حيوية على عاتق الفرد مفادها خدمة أمنه وأمن مجتمعه، كما أنها تستدعي تعاون أفراد المجتمع مع رجال أمنه باعتبارهم شركاء في الرسالة الأمنية الشاملة التي هي مسؤوليتهم جميعاً.
ومع أن نجاح مفهوم الشراكة الأمنية يتوقف على مدى تقدم أفراد المجتمع وتحضرهم، حيث إنها تتطلب وعيا وتقدما وإحساسا بالمسؤولية الوطنية من الجميع، إلا أن همة سمو وزير الداخلية وطموحه تثق في تعاون الفرد، ونهوضه برسالته وتحمل مسؤوليته كاملة؛ مما يوجب إشراكه في تحمل المسؤولية جنبا إلى جنب مع زميله رجل الأمن المكلف.
وفي الختام يمكن القول إن خطاب سمو وزير الداخلية تناول الأمن من منظور شامل فهو لايقتصر على جزئية بعينها، بل يتسع إلى أكثر من ذلك حيث يتجاوز الماديات إلى القيم، ويتجاوز حياة الفرد ليحتوي المجتمع بأفراده وقيمه ومعطياته وثقافته. ولذلك فخطاب سموه يؤكد على ضرورة التقويم المستمر للعمل الأمني وضرورة مراجعة منجز رجال الأمن للتأكد من تطبيق رسالة الأمن الشاملة في ضوء الخصوصية التي يتمتع بها هذا البلد مما يلقي عبئا إضافياً، ومسؤوليات أخرى على عاتق رجال أمنه. كما يمكن القول إن مفهوم الأمن في هذا الخطاب يتعدى العمل الروتيني اليومي إلى الوعي بالمستجد في عالم الجريمة، وإمكانية اعتمادها على واستفادتها من معطيات المنجز العلمي الحديث، وضرورة مراقبة التطور في أساليب الجريمة على اختلاف أنواعها.
وإذا كان سجل الأمن في هذا البلد يفخر بأنه يأتي في مرتبة متقدمة فان الفضل يرجع إلى قدرة الله أولا ومن ثم توفيقه بأن قيض للجهاز الأمني قيادة حكيمة واعية، مدركة لمسؤولية الأمن، خبيرة بشؤونه وأساليبه، قادرة على قيادته وتطويره.
|