يوم من الأيام التي سيخلدها التاريخ في منعطفاته، لأنه غير في مجراه، فكان من الطبيعي ان تهز العالم ذكراه عاما بعد آخر، سواء من رأى مثل هذا الحدث تحولا في تاريخ أمته نحو الانتصار، أم من رآه بداية انتكاس وأمارة انحدار.
* يوم من الأيام التي تفجر فيها الصمت، وتحطمت فيها عوامل الكبرياء، وتغلب فيها منطق القوة على منطق الحكمة، حتى سادت او كادت ان تسود شريعة الغاب، بعد ان دالت دولة الانسانية، في مجتمعات تزعم الريادة في التمدن والنور والمبادىء الديمقراطية.
* يوم من الأيام التي دخلنا عبر بوابة احداثه التاريخ من اوسع ابوابه، بعد ان اوشك التاريخ ان يضع حضارتنا الانسانية في مدارجه ودهاليزه. دخلناها لابما ألصق بمناهجنا من تهم زائفة، وأقاويل مضلله، ولا بما تعرض له شعبنا وقيادتنا من تهم باطلة، بل لأننا كنا ولا زلنا نحمل على عواتقنا استعادة أمتنا، وحاولنا جاهدين مع اعدائنا وأصدقائنا، قبل ذلك اليوم وبعده تنوير العالم أجمع بوميض حضارة الاسلام، بما تحمله من هدي وعدل وأمن وأمان فكان ذلك اليوم مؤذنا للعقلاء، لفتح باب الحوار بين الأديان ومختلف الحضارات.
* يوم من الايام التي انبلج فيها فجر جديد للاسلام خاصة وللانسانية عامة، لانه كشف بعض الوجوه المقنعة بالاسلام، وفضح بعض الجماعات الدخيلة عليه، وكشف ستر ساسة الدول المتعصبة، وبدأ يتحدد بعده مصطلح الارهاب ومفهومه، وبؤره ومبرراته، وأساليب محاربته واجتثاثه، حيث أثبتت هذه الحوادث بأنه لادين له، ولا جنسية إذ تبرأت منه الأديان السماوية ومن بينها الاسلام، ونبذته كل الحضارات الانسانية المعتدلة التي تنشد الرخاء والسلام.
* يوم من الأيام التي بدأ فيها النزال والمواجهة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين النور والظلام، وفقا للمشيئة الالهية والسنن الكونية في هذه الحياة التي يتداول البشر ايامها، وتحاول كل امة اثبات هويتها، وتحديد مسارها وموقعها بين الامم، لتتسنم ذروة القيادة.
* يوم من الايام التي أعادت ذكراها للعالم دولة الاسلام، قبل ان يتقلص ظلها، وتتراجع ألويتها، وتفقد هيبتها وهيمنتها، يوم ان كانت وصايا قوادهم دستورا محكما للانسانية جمعاء، تلجأ اليه في حالة ضعفها، وأوج قوتها، فاي قائد ترى حاز أطراف المجد يقف امام جنده ليقول: اذا انتصرتم فلا تقهروا الاسرى، ولا تقتلوا الشيوخ والنساء والاطفال، ولا تقطعوا النخيل، ولاتحرقوا الزروع، ولا تذبحوا من الماشية، الا ما احتجتم اليه، وأمنوا من ذَلَّ لكم ورضي بأداء الجزية، ولا تخلفوا وعدكم حتى لأعدائكم، وسترون رجالا ناسكين فاحتفظوا بهم، ولا تمسوا ديارهم بضرر. فأي حضارة كهذه، حلت وثاق العقول، واطلقت أعنة الأفكار، وأتاحت للجميع حرية الايمان والعلم والقول والعمل.
* يوم من الأيام التي أعادتني ذكراها الى مقولة «أمين الريحاني»، وقد ساءه ما استشرى في المجتمعات التي اغترب فيها من تعصب سياسي، مورست فيه باسم الدين سياسة الجشع والطمع والتحايل، وتأسست باسمه الدواوين التفتيشية التي ارعبت العلم بظلمها وجرائمها الفظيعة، فذهب يقول: مات التعصب الديني ولكن وا أسفاه كان موته الى حين، أي ان روحه عند خروجها من جسمه الديني تقمصت بالجسم السياسي، عوضا عن التعصب الديني الذي سود صفحات التاريخ في الاجيال الغابرة، ابتلينا بأيامنا هذه بتعصب سياسي او دولي اذا شئتم لم نر له مثيلا في التاريخ بأسره تلاشت على اثره عبارة افرزتها اجواء الحرية التي كانت تعيشها الولايات المتحدة الامريكية في القرن التاسع عشر «لكل دين حق البقاء، ولا حق لدين ان يبيد آخر بالقوة، ولا لقوة أيا كانت ابادة شعب او تشريده، او ممارسة سياسة الارض المحروفة نحوه»، فهل لهذه العبارة من سيادة في قرن التمدن، ام ان تجاهلها كان من اسباب ذلك اليوم الذي غير مجرى التاريخ ولله الامر من قبل ومن بعد، يعز من يشاء ويذل من يشاء، وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون.
من الذاكرة
أمرتهم أمري بمنعرج اللوا فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد |
(*) ادارة تعليم منطقة الرياض
|