Friday 4th October,200210963العددالجمعة 27 ,رجب 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

في كلمته التي ألقاها في الافتتاح: في كلمته التي ألقاها في الافتتاح:
البابطين: كانت الخطوة الأولى في مسيرتنا تكريم المتميزين من الشعراء والنقاد

ألقى الأستاذ عبدالعزيز سعود البابطين رئيس مجلس أمناء مؤسسة جائزة عبدالعزيز البابطين للإبداع الشعري كلمة في بدء أعمال الدورة الثامنة للمؤسسة التي تعقد حاليا في المنامة.
تحدث البابطين في مستهل كلمته قائلا:أود ونحن نقف على أرض البحرين الطاهرة، وفي عهد ملك شاب فتح المستقبل أمام شعبه، فتفتحت له القلوب، وجمع له شوارد المنى فتجمّعت حوله العزائم، وبحضور ثلة من مثقفي الوطن العربي وشعرائه توافدوا من كل بقاع العروبة بعد أن كابدوا وعثاء السفر، يجمعهم نداء الكلمة الشعرية، الكلمة التي تعبر كل الحدود دون جواز سفر، وتأنس إلى قبسها أبصار العرب وبصائرهم.
ويطيب لي أن أشكر باسمكم جميعا صاحب العظمة ملك البحرين على تفضله برعاية هذا الحفل وعلى إنابته سمو ولي العهد ليشرفنا بافتتاح الدورة الثامنة، وأن أحيي هذا البلد الكريم، بلد الأشرعة التي روّضت البحر بكل جبروته، بلد الغاصة الذين فكّوا بجسارتهم طلاسم هذا البحر وامتلكوا كلمة السر التي فتحت لهم أبواب كنوزه، هذا البلد الذي رابط على خاصرة الوطن العربي الشرقية يدفع عنه الشر عبر التاريخ، وظلّ على مر الأيام عربيَّ الوجه واليد واللسان. واسمحوا لي أن أوجه تحية خاصة باسم بلدي الكويت إلى شقيقته البحرين، ونحن صنوان من نخلة واحدة توزّعا في قطرين عربيين، وتجرعنا معا الأيام الصعبة، أيام الصَّبُر والصَّبْر، وعندما ابتسم لنا الزمن اقتسمنا بسمتنا مع كل محزون في وطننا العربي الكبير.
نجتمع اليوم في رحاب هذا البلد الأصيل في دورة ثامنة من دورات مؤسستنا وأشعر ويشعر معي كل مدعوّ أنه في بلده وبين أهله، هكذا كان شعورنا ونحن ننتقل من القاهرة إلى فاس، ومن أبو ظبي إلى بيروت إلى الجزائر، كنا ننتقل من بلدنا إلى بلدنا، وكان دفء المحبة يغمرنا بحيث ننسى متاعب هذا الانتقال.
وعندما نلقي نظرة إلى الوراء إلى ثلاثة عشر عاماً من عمر المؤسسة يتوزّعنا إحساسان: الرضا عما قمنا به لأن رياح الزمن كانت تدفع سفينتنا إلى الأمام، والتشوّق إلى مرافئ جديدة أبعد من أحلامنا. لم تكن المؤسسة مشروعاً فردياً وإن بدأ كخاطر في مخيلة فرد، ولم يكن عملاً إقليمياً وإن انطلق من بلد عربي معين، ولم يقصد به مجرد عمل ثقافي وإن كان هذا طابعه الظاهر.
ثم أضاف قائلا:
لقد كان المشهد العربي البائس يدمي العيون والقلوب، كان الاحتراب السياسي قد أعاد العرب إلى عهد القبائل وإن بصورة جديدة، وكنا نبحث عن كيفية النهوض من الرماد، وكان أمامنا بابُ وحيد ننفذ منه من هذا الحصار الخانق، وهو باب الثقافة، واخترنا من حزمة الثقافة أصلب أعوادها وأكثرها مرونة، الشعر، هذا الفضاء الرحب الذي وسع في شفافية ونفاذ كل الأزمنة والأمكنة العربية، الفنّ الذي نسجت الذاكرة العربية منه أحلى قسماتها، والعدسة التي تلتقط ذبذبات الروح، وتنفُّس الصبح ونأمات الضمير.
وإذا كان الشعر بدأ حداءً للإبل ثم أصبح حداءً للإنسان في مساراته العنيدة التي تتطلب منه التغلب على رخاوة النفس وعلى قسوة الظروف، فإن هذا الحداء الجميل والحازم هو ما يلزمنا الآن ليكون النفير الذي يجمع المثقفين العرب على اختلاف توجهاتهم ليصبحوا نواة صلبة لأي تجمع عربي، ولقد حرصنا منذ الخطوة الأولى أن يأخذ عملنا طابعه القومي، فانطلقت المؤسسة من عاصمة العرب، القاهرة، وأنشأت مكاتب لها تغطي الأقاليم العربية، وفتحت صدرها للمثقفين والشعراء العرب على امتداد الأرض العربية وخارجها.
وحول تكريم المؤسسة لرواد الشعر قال:
كانت الخطوة الأولى في مسيرتنا تكريم المتميزين من الشعراء والنقاد، ونحن في ذلك نحيي سنَّة سار عليها أسلافنا العظام منذ عهد القبيلة إلى عهد الدولة الإقليمية الحديثة، كُرِّم الشاعر سابقاً لأنه صوت القبيلة والمتحدث بلسان الأرواح الخفية، وكُرِّم الشاعر حديثاً لأنه صوت الشعب والمتحدث بلسان الغيب البشري، وفي العهدين لم يكن صوت الشاعر فردياً بل كان يستبطن في صوته ما تضمره الجماعة، ولن ننسى في هذا المقام تكريم أمير البحرين المغفور له الشيخ عيسى بن علي لأمير شعراء العرب أحمد شوقي عندما أهداه في حفلة تكريمه عام 1927م نخلةً من الذهب مرصَّعة بثمار من اللؤلؤ، وقدم الهدية باسم البحرين الشاعر الكويتي/ البحريني خالد الفرج، وها نحن نجتمع اليوم من كل قطر عربي لتكريم نخبة من المبدعين على رأسهم شاعر البحرين الكبير ابراهيم العريض، ونستظل جميعا بخيمة هذا الشاعر الذي أعطى الشعر حياته المديدة، وكم كنا نتمنى أن يكون معنا ليرى ثمرة كفاحه وإبداعه، ولكن القدر الذي حرمنا من وجوده ساعدنا كي لا نحرم من خلوده.
وكانت الخطوة الثانية للمؤسسة اختيار شاعر كبير ليكون محورا للدورة بحيث تنشر المؤسسة نتاجه الأدبي، وتكلف عددا من الباحثين القيام بأبحاث عن حياته وشعره، بدأنا بمحمود سامي البارودي رائد النهضة الشعرية الحديثة مروراً بأبي القاسم الشابي وأحمد العدواني والأخطل الصغير وأبي فراس الحمداني وعبدالقادر الجزائري. وفي هذه الدورة كان محورها الشاعر الكبير علي بن المقرب، مع احتفاء خاص بشاعر فلسطين ابراهيم طوقان.
وعن السبب في اختيار هذين الشاعرين أضاف قائلا: ولا يخفى عليكم أننا بهذا الاختيار جمعنا بين زمنين، العصر الوسيط، والحاضر القريب، وبين مكانين: البحرين في أقصى الشرق وفلسطين في الوسط لنبرهن أن الأزمنة العربية زمن واحد، وأن الأمكنة العربية مكان واحد.
وإذا كنا في اختيار ابن المقرب أردنا أن ننصف هذه المنطقة التي تغافل عنها المؤرخون، فقد قصدنا باختيار ابراهيم طوقان أن لا نكتفي بتوجيه تحية إلى شعبنا الفلسطيني وانتفاضته المباركة كما يفعل الغرباء، بل أردنا أن نؤكد أن الجرح الفلسطيني هو جرحنا، وأننا سنبقى مستعبدين ما دام الاحتلال يجثم على أي قطعة من فلسطين، ففلسطين ليست مجرد بقعة صغيرة من وطننا العربي الكبير بل هي شرفنا وطهارتنا والشرف لا يمكن أن يكون محل مساومة أو قسمة.
وإذا كان الشاعران قد اختلفا زماناً ومكاناً فقد كانا في موقف واحد، كانا شاهدين على تآكل الوضع العربي، وكانا نذيرين بالفاجعة القريبة، فاجعة انهيار الدولة العيونية وسقوط بغداد العاصمة الحضارية للعرب بعد ربع قرن من وفاة ابن المقرب، وفاجعة سقوط القدس العاصمة المقدسة للمسلمين بعد سنوت من وفاة ابراهيم طوقان.
ونشعر بالغبطة لأننا أخرجنا في هذه الدورة ثلاثة دواوين تضمنت قصائد لم يسبق نشرها في أي طبعة سابقة وهي للشعراء: علي بن المقرب العيوني، وأبي البحر الخطي، وابراهيم طوقان، وعشرة من كتب الدراسات بمجموع صفحات يزيد على ستة آلاف صفحة، وتمكّنا من إنجاز الطبعة الثانية لمعجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين في سبعة مجلدات وبمجموع صفحات قدرهُ خمسة آلاف وخمسمائة وعشرون صفحة، وعلى هذا يصبح مجموع إصداراتنا لهذه الدورة أحد عشر ألفاً وستمائة وخمس عشرة صفحة.
ولم يكن ذلك ليتم لولا تضافر كوكبة من الباحثين العرب معنا، استفردوا بالتعب والعناء وشاركونا الأمل والطموح فاستحقوا من القراء العرب أجمل الثناء.
وإذا كان الرضا التام في بعض جوانبه نوعا من العجز فإننا لن نشعر بالرضا التام عن عملنا بل نؤمن أن ما وصلنا إليه هو مرحلة على خط سير طويل سنواصل التقدم عليه، تأدية لواجب علينا تجاه أمة خانتها الظروف وقصَّر بحقها الأبناء، فلم تتسنم مقعدها الملائم في مركبة التاريخ.
واختتم قائلا:
إنني أهيب بالشعراء العرب، بكم أنتم يا ضمير الأمة الحيّ أن لا تنسوا إخوانكم من أسرى الكويت في سجون العراق، وأن تساهموا بقصائدكم وبمشاعركم في تصوير معاناتهم والدعوة إلى إطلاق سراحهم وخلاصهم من تلك السجون البغيضة.
وأختم كلمتي بتجديد التحية والشكر لعظمة ملك البحرين ملك الأمل والعمل، ولولي عهده الأمين، ولهذا البلد المضياف بلد النخيل والبحر واللؤلؤ، بلد ابراهيم العريض، ولكل من شاركنا في هذا اللقاء.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved