لقد صاحب التوسع الاقتصادي السريع في المملكة العربية السعودية وتحقيق معدلات مرتفعة في التنمية العمرانية، حدوث بعض الأضرار بالموارد الطبيعية والبيئية مثل: التلوث والروائح الكريهة نتيجة شبكات الصرف الصحي غير المناسبة، وهناك الأخطار الصحية الناجمة عن المعالجة غير الملائمة لنفايات النشاطات الصناعية والزراعية والحضرية، إلى جانب تلوث الهواء وتلوث المياه وتلوث الغذاء.
وبنظرة بيئية فقد جاءت خطط التنمية الخمسية السعودية مؤكدة على أهمية الحفاظ على البيئة، حيث دعت الى ضرورة توفير خدمات بيئية شاملة ونشر مقاييس بيئية لجودة الهواء وجودة الماء والتخلص من النفايات.
بل لقد جاء في النظام الاساسي للحكم في المادة الثانية والثلاثين هذا النص: تعمل الدولة على المحافظة على البيئة وحمايتها وتطويرها ومنع التلوث عنها.
وجاء في نظام المناطق في المادة الثالثة ما نصّه: تتكون كل منطقة اداريا من عدد من المحافظات والنواحي والمراكز ويراعى في ذلك الاعتبارات السكانية والجغرافية والأمنية وظروف البيئة.
وغير خافٍ، دور الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض البارز في إعداد الدراسات الخاصة بارتفاع مستوى المياه الأرضية ومشكلات الصرف الصحي والملوثات بعامة.
وبنظرة اقتصادية، فقد سجَّل العقد الماضي اهتماما دوليا واقليميا ووطنيا بشؤون البيئة وحمايتها وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث جاءت قضايا إدارة الموارد البيئية وحمايتها وتنميتها من الأولويات في سياسات كثير من الدول ومجالات تعاونها.
وقد تزامنت التطورات الدولية في مجال المحافظة على البيئة خلال العقدين الماضيين مع اعتماد منهج التخطيط التنموي في المملكة، وواكبت المملكة هذه التطورات ولعل اهم ما تحقق في هذا المجال:
أولا: إدخال الاعتبارات البيئية في اختيار مواقع أهم المشروعات الحضرية.
ثانيا: اصدار مقاييس وطنية لحماية البيئة والتزام معظم المشروعات التنموية بها.
ثالثا: اصدار المواصفات القياسية والهندسية والمعمارية لتحديد الملوثات والمشكلات البيئية.
رابعا: وضع آليات محددة تساعد في الحد من العقبات والمعوقات المتعلقة بحماية البيئة والحفاظ عليها من التدهور والاستنزاف والتلوث.
وبنظرة ادارية، فان إدارة التنمية تُعدُّ من اهم العناصر الاستراتيجية لعملية التنمية، ذلك ان ادارة البيئة والحفاظ عليها تعد من المتطلبات اللازمة لضمان استمرارية التنمية واستدامتها.
وتبرز اهم الاساسيات التي ينبغي اخذها في الحسبان عند وضع استراتيجية معينة لادارة البيئة فيما يلي:
أ الحفاظ على نوعية بيئية سليمة وحمايتها يُعد ضرورة لاستمرارية النشاطات ودفع عجلة التنمية.
ب البيئة نظام متكامل ذو حدود طبيعية وأيّ خلل أو تدهور في أي عنصر من عناصر البيئة يؤثر سلبا على النظام البيئي.
ج حماية البيئة عملية ذات أبعاد اقتصادية كما ان التكاليف البيئية للحماية تُعد جزءا من تكاليف العملية الانمائية الشاملة.
وبنظرة فقهية، فان الشريعة الاسلامية لا تتضمن ما يتعارض مع الطروحات الأساسية لمفهوم التنمية والبيئة، وهو المفهوم الذي يتطلب ترشيد استخدام الموارد وتجنب الاضرار بالآخرين، ومراعاة مصالح أبناء هذا الجيل والأجيال القادمة والاعتراف بأن الإنسان مستخلف على هذه الارض، وأن حقه في الانتفاع بمواردها مقيد بمسؤوليته إزاء الاستخدام الرشيد لهذه الموارد.
ومن المستحسن ان أذكر بعض الحقائق المهمة في الموضوع:
1 الشريعة السمحة ومن خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث السنة المطهرة وضعت تصورا شاملا للبيئة، شمل الانسان والحيوان والنبات والجماد والماء والهواء.
2 الشريعة الغراء أرست مبدأ سدّ الذرائع الى الفساد، أيّاً كان نوعه، تقييدا للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة إبان التصرف السيىء في المباحات او الحقوق، فضلا عن المجاوزة والعدوان وهو مبدأ عظيم الأثر، إلى جانب مفهوم حماية البيئة والمحافظة عليها.
3 الالتزام بنظافة البيئة في الاسلام من الأمور الاساسية التي حرص عليها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وأوصى بها المسلمين، اذ نص اكثر من حديث على ان النظافة من الإيمان، والحق ان افساد البيئة وتلويثها المفني لها، إنما يبدأ بتلويثها اليسير أو عدم التزام النظافة وإماطة الأذى عن البيئة.
4 حماية البيئة في الشريعة الاسلامية أمانة ومسؤولية يتطلبها الايمان وتقتضيها عقيدة الاستخلاف فمن ثمرات الإيمان الصادق رعاية البيئة والمحافظة عليها كما خلقها الله، رحمة بالمخلوقات.
ختاما أقول: في الوقت الحاضر تشهد المملكة العربية السعودية وعيا ثقافيا واقتصاديا وسياسيا وبيئيا جديداً، يُعطي الموارد الطبيعية والبيئة اهتماما بالغا، في الحماية والحفاظ عليها بحيث اصبح هذا الاتجاه له تأثير مباشر على التفكير ونمط الحياة بين المواطنين وهو توجه يتفق والموروث الحضاري وما تسعى اليه خطط التنمية الوطنية، ولا عجب فهي (السعودية) رائدة ادراج مبادىء الوعي بالبيئة.
|