* والاصرارعلى المخالفة من وضوح الدليل وعدم البيان بالحجة وعدم سعة الصدر للخلاف في المواطن التي يجوز فيها الخلاف واتباع الهوى وعدم احسان الظن بالآخر والثناء على بعض المتلبسين بالبدعة ثناء كبيراً مطلقاً أو الدعوة الى مطالعة كتبهم والاستفادة منها دون بيان ما فيها من المخالفات البدعية والحاق بعض اهل العلم والدعوة بأهل الأهواء والبدع دون مراعاة ما ذكره أهل العلم من ضرورة توافر الشروط في الموصوف عند تحقيق النسبة ومخالفة ما أُجمِعَ عليه في مسائل العقيدة وعدم الرجوع فيها الى كبار العلماء والصدور عن آرائهم والتغرير بشباب الاسلام وزجهم في معركة خاسرة غير متوازنة وسوء الفهم والتطبيق لقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح والتحزب، كل هذا من أكبر معوقات الدعوة والاتفاق والمودة المقصود هو التعاون على الخير والرفق في النصيحة وتوقير اهل العلم وعدم الاستعجال فان الرفق لا يكون في شيء الا زانه ولا ينزع من شيء الا شانه مع الصدق في النصيحة والتوجيه ونصح الامة يقول عمر رضي الله عنه: رحم الله امرأ أهدى اليّ عيوبي.
ان من يصف انحراف بعض المشهورين في حقل الدعوة بالابتداع في الدين في معرض النصيحة والتحذير بالدليل لم يخرج عن كلام السلف ولم يأت ببدعة حتى يلمز او ينال من عرضه والواجب النصيحة واحسان الظن بالمسلمين والرفق بهم. وقد وصف الامام احمد بن حنبل عدداً من اهل الاهواء بالابتداع وكذلك جمع من اهل الجرح والتعديل قال المروذي قلت لابي عبدالله (احمد بن جنبل) ترى للرجل ان يشتغل بالصوم والصلاة ويسكت عن الكلام في اهل البدع، فكلح في وجهي وقال: اذا هو صلى وصام واعتزل الناس أهو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلم كان له ولغيره يتكلم افضل. وقال ابو طالب عن الامام احمد كان ايوب يقدم الجريري على سليمان التميمي لان الجريري كان يخاصم القدرية واهل البدع. والواجب البيان والاحسان بأن يعتذر عنه بما يدفع عن عرضه الذم ويوجب حسن الظن ولا يتألى على الله في مسألة العذر وعدم قيام الحجة فان الامر لله من قبل ومن بعد فليس لنا الا الظاهر والله يتولى السرائر والخوض في غمار من مات مسلك صعب يحتاج الى العدل والانصاف كما يحتاج الى البيان بالدليل والاحسان فيما يحتمل التأول.. وإليك أيها القارىء بعضا من كلام السلف يقول الإمام مالك: مامنا الا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم.. ويقول الامام الشافعي يقول فيما نقله عنه البيهقي: أنا أخالف ابن عليه (ابراهيم بن عليه وليس أباه) في كل شيء حتى في قول لا إله الا الله. وهكذا كان السلف الصالح يردون على المخالفين والكتب المصنفة في الرد كثيرة وقد ذكر الحافظ ابن حبان في صحيحه باب ذكر الاستحباب للمرء ان يأمر بالمعروف من هو فوقه ومثله ودونه في الدين والدنيا اذا كان قصده فيه النصيحة دون التعيير. ومن باب التمثيل فقد ذكر ابن الصلاح فيما جمعه من طبقات أصحاب الشافعي وقرره النبوي قال: في هذا الكتاب فصل في بيان أشياء مهمة انكرت على الامام الغزالي في مصنفاته ولم يرتضها اهل مذهبه وغيرهم من الشذوذ في تصرفاته وقال ابو عبدالله المازري الفقيه المالكي: ومن كان عنده من العلم ما يأمن به على نفسه من غوائل هذا الكتاب (إحياء علوم الدين) ويعلم ما فيه من الرموز فيجتنب مقتضى ظواهرها ويكل أمر مؤلفها الى الله تعالى وان كانت كلها تقبل التأويل فقراءته لها سائغة به اللهم الا ان يكون قارئه ممن يقتدى به ويعتز به فانه ينهى عن قراءته وعن مدحه والثناء عليه انتهى فانظر الى النصيحة والانصاف في القول وقد أردت بذكر هذا المثال لفت النظر الى ان العلماء قد حذروا من هذا الكتاب وصنفوا فيه رداً وهذا النهج ينسحب على غيره من الكتب التي يوجد بها أخطاء وانحرافات عقدية مثل كتاب (في ظلال القرآن) والتهوين من بعض مسائل الاعتقاد المهمة مثل من لم يكفر المشركين أوشك في كفرهم فهو كافر واعذار المشركين والجهمية من المعتزلة ومن نحا نحوهم تمييع للعقيدة ثم ما الفرق بين عبدة الاصنام وعبدة القبور من المنتسبين الى الاسلام انهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالاصنام الا فعلوه {إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ} لقد عظمت المصيبة واشتد الخطب في كثير من أقطاع الأمة الاسلامية وقلما تجد من ينكر هذا الكفر الفظيع ويغار على الدين الحنيف أليس حرياً بالدعاة وطلبة العلم بيان خطورة هذا الامر وأنه كفر بالله وخروج عن الملة الاسلامية، إن الأمة بحاجة عظيمة الى بيان هذا الشرك والكفر لا الى إعذارهم بجهلهم وانهم باقون على إسلامهم وأما من صدر عنه ما يوجب كفره من الأمور التي هي معلومة من ضروريات الدين مثل عبادة الله سبحانه وتعالى واثبات علو الله على عرشه واثبات اسمائه وصفاته والايمان باليوم الآخر والايمان بالرسل فمن اشرك بالله أو جحد علو الله على خلقه فهو كافر مرتد عن الاسلام والمنع من تكفيره بالخطأ والجهل رد على من كفر الجهمية منكرة صفات الله، ومبتدع مخالف لاهل السنة والجماعة والاستدلال بكلام بعض المحققين نقص في الفهم والعلم فإن المرجع عند الاختلاف الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اوالمعصومين من الخطأ وهم الرسل عليهم السلام اما من يتعسف في تأويل كلام بعض اهل العلم ويحمله على غير ظاهره البين المراد حتى لا يقول أخطأ وزل فتلك ظاهرة غريبة حقا لقد كان السلف يردون على من أخطأ ويبينون الحق ولا يعيب العالم المحقق خطؤه فلو لم يخطئ الا في مسألة واحدة لكفى به فضلا ودليلا على تبحره في العلم وتفوقه وكفى المرء نبلا ان تعد معايبه.
وكمال قال الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «من كان مستنا فليستن بمن قد مات فان الحي لا تؤمن عليه الفتنة» ومقصده بمن قد مات ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده فقط، وقد اورد الحافظ الدرامي في سننه نصيحة الى الدعاة وهذا نصها: «عن عباد بن عباد الخوص الشامي أبو عتبة قال: اما بعد اعقلوا والعقل نعمة فرب ذي عقل قد شغل قلبه بالتعمق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج اليه حتى صار عن ذلك ساهيا ومن فضل عقل المرء ترك النظر فيما لا نظر فيه حتى يكون فضل عقله وبالاً عليه في ترك مناقشة من هو دونه في الاعمال الصالحة أو رجل شغل قلبه ببدعة قلد فيها دينه رجالا دون اصحاب رسول الله أو اكتفى برأيه فيما لا يرى الهدى الا فيها ولا يرى الضلالة الا تركها بزعم انه اخذها من القرآن وهو يدعو الى فراق القرآن أفما كان للقرآن حملة قبله وقبل أصحابه يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه وكانوا منه على منار أوضح الطريق».
* اتقوا الله فانكم في زمان رق فيه الورع وقل فيه الخشوع وحمل العلم مفسدوه فأحبوا ان يعرفوا بحمله وكرهو ان يعرفوا باضاعته فنطقوا فيه بالهوى لما أدخلوه فيه من الخطأ وحرفوا الكلم عما تركوا من الحق الى ما عملوا به من باطل فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها وتقصيرهم تقصير لايعترف به كيف يهتدي المستدل المسترشد اذا كان الدليل حائراً أحبوا الدنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش وزايلوهم بالقول ودافعوا بالقول عن أنفسهم ان ينسبوا الى عملهم فلم يتبرأوا مما انتفوا منه ولم يدخلوا فيما نسبوا اليه أنفسهم لأن العامل بالحق متكلم وان سكت وقد ذكر الله تعالى يقول: «اني لست كل كلام الحكيم أتقبلُ ولكني انظر الى همه وهواه ان كان همه وهواه لي جعلت صمته حمدا ووقارا وان لم يتكلم». وقال الله تعالى: {مّثّلٍ الذٌينّ حٍمٌَلٍوا التَّوًرّاةّ ثٍمَّ لّمً يّحًمٌلٍوهّا لم يعملوا بهاكّمّثّلٌ الحٌمّارٌ يّحًمٌلٍ أّسًفّارْا} الجمعة: (5 )كتبا وقال: {خٍذٍوا مّا آتّيًنّاكٍم بٌٌقٍوَّةُ} البقرة: (63)قال العمل بما فيه ولا تكتفوا من السنة بانتحالها بالقول دون العمل بها فان انتحال السنة دون العمل بها كذب بالقول مع اضاعة العلم ولا تعيبوا بالبدع تزينا بعيبها فان فساد اهل البدع ليس بزائد في صلاحكم ولا تعيبوها بغيا على اهلها فان البغي من فساد أنفسكم وليس ينبغي للمطبب ان يداوي المرضى بما يبرئهم ويمرضه فانه اذا مرض اشتغل بمرضه عن مداواتهم ولكن ينبغي ان يلتمس لنفسه الصحة ليقوى به على علاج المرضى فليكن أمركم فيما تنكرون على اخوانكم نظراً منكم لانفسكم ونصيحة منكم لربكم وشفقة منكم على اخوانكم وان تكونوا مع ذلك بعيوب انفسكم اعنى منكم بعيوب غيركم وان يستفطم بعضكم بعضا النصيحة وان يحظى عندكم من بذلها لكم وقبلها منكم وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رحم الله من أهدى إليَّ عيوبي.. تحبون ان تقولوا فيحتمل لكم وان قيل لكم مثل الذي قلتم غضبتم تجدون على الناس فيما تنكرون من أمورهم وتأتون مثل ذلك أفلا تحبون ان يؤخذ عليكم اتهموا رأيكم ورأي أهل زمانكم وتثبتوا قبل ان تكلموا وتعلموا قبل ان تعلموا فانه يأتي زمان يشتبه فيه الحق والباطل ويكون المعروف فيه منكرا والمنكر فيه معروفا فمنكم مقترب الى الله بما يباعده ومتحبب اليه بما يبغضه عليه قال الله تعالى: {أّفّمّن زٍيٌَنّ لّهٍ سٍوءٍ عّمّلٌهٌ فّرّآهٍ حّسّنْا} *فاطر: 8* الآية فعليكم بالوقوف عند الشبهات حتى يبرز لكم واضح الحق بالبينة فإن الداخل فيما لا يعلم بغير علم آثم ومن نظر لله، نظر الله له عليكم بالقرآن فأتموا به وأموا به وعليكم بطلب أثر الماضين فيه ولو ان الاحبار والرهبان لم يتقوا زوال مراتبهم وفساد منزلتهم باقامة الكتاب وتبيانه ما حرفوه ولا كتموه ولكنهم لما خلفوا الكتاب بأعمالهم التمسوا ان يخدعوا قومهم عما صنعوا مخافة ان تفسد منازلهم وان يتبين للناس فسادهم فحرفوا الكتاب بالتفسير وما لم يستطيعوا تحريفه كتموه فسكتوا عن صنيع أنفسهم إبقاءً على منازلهم وسكتوا عما صنع قومهم مصانعةً لهم وقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه بل مالوا عليه ورفقوا لهم فيه ورققوا لهم فيه.
علي بن إبراهيم العدوان |