Sunday 13th October,200210972العددالأحد 7 ,شعبان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

في نادي أبها الأدبي مصطفى عناية يحاضر عن.. في نادي أبها الأدبي مصطفى عناية يحاضر عن..
رؤية أبي تمام في الشعر

* أبها محمد السيد:
استضاف نادي ابها الادبي الدكتور مصطفى حسين عناية الاستاذ المشارك بجامعة الملك خالد بأبها والذي تحدث في محاضرته عن رؤية ابي تمام في الشعر وقد ادار المحاضرة الدكتور عبدالله الحميد الذي تحدث عن الشعر عند ابي تمام ثم قدم المحاضر من حيث حياته العلمية والعملية ونتاجه الادبي وقد شهد المحاضرة عدد من الادباء والمثقفين في ابها يتقدمهم رئيس نادي ابها الادبي الاستاذ محمد الحميد واستهل المحاضر محاضرته بالحديث عن مكانة الشعر عن العرب فقال:
قال صلى الله عليه وسلم «ان من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكماً» وحكماً تعني هنا: الحكمة النافعة التي تمنع من الجهل والسفه.
وقال عمر بن الخطاب «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم اصح منه» وقال معاوية بن ابي سفيان اجعلوا الشعر اكبر همكم واكثر دأبكم» وحين حرم الحجاج بن يوسف الثقفي الشعراء طلب منه عبدالملك بن مروان ان يعيد أعطياتهم لانهم يحيون مكارم الاخلاق، ويحضون على البر والسخاء». ولست ازعم من خلال ايراد هذه الامثلة ان الشعر كله يدعو الى مكارم الاخلاق، فهناك الدور السلبي الذي اداه والذي يمكن ان يؤديه في مختلف الازمات والعصور. وقد انتبه ابو تمام الى قيمة الشعر، ومكانته في النفوس، ووعى وظيفة الشعر النفسية والاجتماعية، وفهم الدور الايجابي الذي يجب ان يؤديه فقال:


إن القوافي والمساعي لم تزل
مثل النظام إذا أصاب فريدا
هي جوهر نثر فإن ألفته
بالشعر صار قلائداً وعقودا
في كلّ معترك وكل مقامة
يأخذن منه ذمّة وعهودا
فإذا القصائد لم تكن خفراءها
لم ترض منها مشهداً مشهودا
من اجل ذلك كانت العرب الالى
يدعون هذا سؤدداً محدودا
وتند عندهم العلا إلا عُلاً
جعلت لها مرر القصيد قيودا

ويرى ان الشعر نظام يتم بشرف الممدوح،، فيكون كالفريد لهذا النظام، وان كرم الممدوحين جوهر نثر حتى ينظمه الشاعر، ويحصيه، فيتحلى به الممدوح، واذا ذكرت المكارم في المجالس، ومواضع الحرب التجأت إلى ما نظمه الشعر فيها، فكأنما تأخذ منها ذمة وعهداً بإحصائه اياها، وهذه الجواهر والمكرمات اذا لم تحفظها القصائد لم تشع ولم تشتهر، ومن اجل ذلك كانوا يقولون: فلان محدود السؤدد، اي: لم يكثر مدحه، لأنه يكون مقصوراً عن كماله اذا لم يُقل فيه شعر، وان المكارم اذا لم تتقيد بالشعر تتفرق وتتبدد.
والمعالي لاتعرف إلا بالشعر، والمكرمات لا بد لها من الحلي، فاذا كانت المكرمات اصابع فالاشعار خواتمها وحليها، والشعر يحيي المكارم، ولولاه ما درى الناس من اين تؤتى صفات الكرم، يقول:


فما بال الشعر أغبر قاتما
وأنف العلا من عطلة الشعر راغم
تداركه ان المكرمات اصابع
وان حلى الاشعار فيها خواتم
ولولا خلال سنّها الشعر مادرى
بغاة الندى من اين تؤتى المكارم

انتقل المحاضر بعد ذلك الى وصف الشعر قبل ابي تمام فقال: وقد وصف الشعراء العرب اشعارهم بصفات شتى، فوصفوها ب«المُغَلْغَلَة» أي: المحمولة من بلد الى بلد، و «المُغَلْغِلَة» أي: المسرعة في الارض تذهب كل مذهب، من الغلغلة: سرعة السير، او يتغلغل بها الى المخاطبين حتى تصل كالماء الذي يتغلغل في اصول الشجر، قال المسيب بن علّس:


فلأ هدينَّ مع الرياح قصيدة
مني مغلغِلة مني الى القعقاع

قالت جنوب اخت عمرو ذي الكلب:
أبلغ بني كاهلٍ عني مُغَلْغَلَة
كما وصفوها بالمحبّرة، وبالنجوم، والكواكب، والقمر، والمرجان، والنور، والياقوت، وغير ذلك من الصفات التي نجدها مبثوثة في كتب الادب، وقد قرن الشعراء العرب قصائدهم بالأسلحة، وجعلوها من آلة الحرب.
يقول عبدُ قيس بن خفان البرجمي:


فأصبحت أعددت المناسبا
تِ عرضاً بريئاً وعضباً صقيلاً
ووقع لبان كحدّ السنان
ورمحاً طويل القناة عسولا

بل كان الشعر عند العرب اشد من اسلحتهم في القتال، اذ يروى ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت رضي الله عنه لَشِعرك أشدّ عليهم من وقع النبل»
رؤية ابي تمام للشعر
وعن رؤية ابي تمام للشعر يقول المحاضر:
ان خير وسيلة لفهم نظرة ابي تمام لشعره ان نقرأ وصفه لهذا الشعر قراءة متأنية، فهذه المجموعة الكبيرة من النعوت التي اطلقها على شعره تتيح لنا فرصة طيبة لاطلاق الاحكام الحقيقية على شعره، ففي هذا الوصف يتحدث الشاعر الحقيقي الكائن في اعماقه، كما ان عبقرية ابي تمام تظهر واضحة جلية في هذا الوصف للشعر. وتبرز قيمة شاعرنا في وصفه للشعر إذا رأينا وصف غيره من الشعراء الذين اتوا بعده فكلهم كانوا عيالاً عليه.
لقد امتلك ابو تمام ناصية اللغة كما امتلك ناصية المعاني المبتكرة، وبالتالي، فقد امتلك ناصية النظم الذي جعله يرتقي بشعرنا العربي رقياً تفوق فيه على كثير من شعراء العرب، ومع ذلك، فان النقاد في عصره، لم يقدروه حق قدره، بل جعله الآمدي خارجاً على عمود الشعر. ان ابا تمام في وصفه لشعره وفنه لم يكن شاعراً فحسب، بل كان ناقداً فنياً كبيراً، ويدل هذا الوصف على دقة فهمه للشعر، يقول الدكتور محمد نجيب البهبيتي معلقاً على بعض ابيات ابي تمام في وصف شعره «...لقد جاءت كتب النقد، بعد ابي تمام، فلم يمض احدها دون ان يتحدث عن هذه النواحي في نقد الشعر، حديثا قد يطول عن هذا، وقد يقصر، ولكنه لايخرج عن حدوده، ولا يبلغ جماله».
ويقول عنه «ان ابا تمام كان من اوائل من وضع قواعد النقد الادبي العربي واصوله».
ان ابيات ابي تمام في وصف شعره تحتوي معظمها على الأضداد التي تمثل مظهرا رئيساً من مظاهر سماته الفنية، فقد كان ابو تمام معجبا اعجابا هائلا بالأضداد» وقد راح يستخدمها في ابياته استخداماً فنياً واسعاً، فإذا هي تتحول الى لون زاه من الوان الفن الزاهية، وسأتناول فيما يأتي نماذج من شعر ابي تمام التي توضح رؤيته للشعر، يقول موجهاً حديثه لممدوحه:


فلو كان يفنى الشعر افناه ماقرت
حياضك منه في العصور الذواهب
لكنه فيض العقول اذا انجلت
سحائب منه أعْقِبت بسحائب

وقد لخص ابو تمام مذهبه الشعري الجديد في هذين البيتين، فقد كان يرى ان الشعر فكرة قبل ان يكون شعوراً، وهو فيض العقول قبل ان يكون فيض القلوب، وهذه رؤية جديدة للشعر، وتصور جديد له، ولا شك انه بهذا يكون اول من وضع اصول شعر الفكرة في شعرنا العربي.
وابو تمام يصر دائما على ادماج الفكرة في الشعر ما وجد الى ذلك سبيلا واعتماد ابي تمام على الفكرة في شعره جعل القصيدة عنده تمتاز بالوحدة العضوية المتماسكة، او كما يقول الدكتور البهبيتي «فالقصيدة بفضل الفكرة الجارية فيها ذات وحدة وتماسك» «فهو يسير فيها بفكرة واضحة يكمل البيت ما سبق اليه اخوة، فما يكاد يفرغ من القصيدة حتى يكون قد اخرج للناس موضوعاً واحداً متماسكاً تجري فيه فكرة واحدة».
وابو تمام شاعر يعيش في غربة، ويشجع عليها ويقول:


وطول مقام المرء في الحيّ مخلق
لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة
الى الناس ان ليست عليهم بَسْرمدِ

بعد ذلك بدأت المداخلات وأسئلة الحضور.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved