استهلالا دعوني أوضح مفهوم «المبادأة» بسرد قصة أذكر أن قرأتها منذ سنوات في ديوان أحد شعراء المهجر المجيدين الشاعر أحمد زكي أبو شادي، حيث ذكر كتوطئة لإحدى قصائده قصة بعنوان «الفارس المجلى»، فحواها أن رجلاً صالحاً في إحدى الجزر النائية المعزولة قد أعياه سعيه الحثيث إلى إصلاح بني قومه وردعهم عن ارتكاب العديد من العادات السيئة التي من ضمنها عادة قطْع رؤوس الغرباء الذين يقودهم سوء طالعهم إلى الحلول في الجزيرة المعنية..، وبعد جهد جهيد استطاع هذا الرجل الصالح أن يقنعهم ببشاعة فعلهم هذا الأمر الذي جعلهم يقسمون بأن المرة القادمة ستكون المرة الأخيرة، وحينها لجأ هذا الرجل إلى التخفي والتنكر على شكل رجل غريب قادم إلى الجزيرة فما كان من قومه إلا أن سارعوا بدون تردد إلى قطع رأسه وهم يرددون أناشيد الفخار وأهازيج النشوة، غير أنهم بعد تأمل وتمعن في الرأس المقطوعة اتضح لهم بأن رأس الرجل الغريب ليست إلا رأس الرجل الصالح الذي ضحى بنفسه في سبيل إنقاذ الآخرين.
إذن فهذه صورة من الصور العديدة لفضيلة «المبادأة: Initiative» ويُعرف هذا المفهوم علمياً بإقدام الفرد برغبته الذاتية على بدء عمل من الأعمال الاجتماعية الصالحة المراد من ورائها الصالح الاجتماعي العام، والشاهد في هذا التعريف هنا هو ذاتية الرغبة وعمومية القصد، فالمبادأة هي بالأحرى سن السنة الحسنة التي لا يؤجر عليها المرء فحسب بل علاوة على أجرها يحظى بأجر من عمل بها أو انتفع منها إلى يوم القيامة، كما هي مضامين الحديث الشريف في هذا المنحى. فالمبادأة هي المبادرة.. تعليق لجرس «الحث على الاقتداء»، بل هي تعليق لجرس الإنذار والتنبيه بأن فردية الجهود ضرورية للحيلولة دون تبعثر الجهود الجمعية، فالمبادأة غرس لفسيلة الخير في حديقة الخيارات قبل فوات الأوان وانتفاء الخيارات، إنها كذلك الخطوة الأولى اللازمة لاختزال أمد المسافات وجمع شتات المساحات بلوغاً إلى ساحات العطاء وفناءات التضحية التي لا يتم عبورها إلا بامتطاء صهوة الارتقاء على القدرات المتاحة.
كيف يتم تحقيق فضيلة «المبادأة» بشكل يجعل منها القاعدة لا الاستثناء؟!.. يتم ذلك عن طريق غرسها في نفوس النشء نظرياً بالقول وتطبيقياً بالقدوة تماما كما تغرس الأشجار، وهي شتيلات ضئيلة غير أنها بقليل من التعهد والرعاية تسمو من الضآلة إلى أجواء السموق والعملقة إثماراً وإنجازاً.
|