أثناء مراجعتي لدروس أولادي وجدت نفسي أنساق في بحر من التأمل الحزين للحال الذي وصلت إليه أمتنا.. وجدت ان المواد الدينية والتربوية تتحدث عن كل ما يخطر ببالنا من قيم ومبادئ ومثل عليا يوجهنا ديننا للعمل بها، وتتحدث عن رجال ونساء عاشوا هذا الدين إيماناً وسلوكاً علينا ان نقتدي بهم. وسألت نفسي بعد ذلك كله: أين يكمن الخلل؟ ووجدت انني أمام سؤال كبير لا أستطيع الإجابة عليه وحدي، بل تحتاج الإجابة عليه إلى تركيز اهتمام الدعاة والباحثين في علوم العقيدة والسلوك الإنساني وعلمي النفس والاجتماع للبحث عن هذا الخلل في أمةٍ تعيش انفصاماً بين ما تعتقد وبين ما تعمل، تعيش تناقضاً بين عباداتها وسلوكها، تعيش تناقضاً بين ماينبغي ان تعمل به وبين ماتعمل به بالفعل. ان هذا التناقض يصبح مقبولاً إذا كان على طريق مجاهدة النفس للوصول بها إلى المستوى المرضي عنه، فلا بأس يشذ الإنسان عن القاعدة من حين لآخر بحكم بشرية الإنسان التي لا يمكن ان تصل إلى الكمال، وقد التمس ديننا - الواقعي - للإنسان العذر فتساهل عن «اللمم» وقال «كل ابن آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون» لأن هذا يحث الإنسان على السعي نحو الأفضل، وما قال الله تعالى إن رحمته وسعت كل شيء الا الكفر به إلا ليدفع بعباده نحو المزيد من مجاهدة النفس والارتقاء بها في مدارج الكمال، ولو شدد ربّ العالمين على كل خطيئة يرتكبها عباده، وأقفل أمامهم أبواب الرحمة والمغفرة لازداد طغياناً كل من انحرف عن الجادة، واتبع أكثر الناس الهوى، ولكن الله بعباده لطيف خبير أدرى بالنفس البشرية التي ألهمها فجورها قبل تقواها.
ومع ذلك فإن التناقض في حياة الإنسان عندما يتجاوز حدوداً معينة يصبح «ظاهرة»، والظاهرة في مثل هذه الحال كما يسميها علماء النفس والاجتماع تصبح «مرضاً»، ومرض الكثير من أبناء أمتنا المسلمة إنهم فقدوا المقدرة على الربط بين «المعتقد» وبين «السلوك»، لأنك ترى أناساً لاشك في إيمانهم وعقيدتهم مطلقا ومع ذلك فإنهم لايعيشون هذا الإيمان وهذا المعتقد في معاملاتهم ، وإنما تنحصر عقيدتهم وإيمانهم في دائرة العبادات وحدها، وكأن هذا الدين ليس بمنهج حياة، فمعظم أبناء الأمة الإسلامية من المصلين ومن القائمين على العبادات وحتى العصاة منهم يعود إليهم إيمانهم وترق قلوبهم إذا ما سمعوا قول الله وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيؤدون ما يلزمهم به دينهم من واجب العبادات ثم يكون الخلاف بعد ذلك في المعاملات التي هي أشق على النفس من العبادات.وقد يكون السبب في هذا تربوياً لأن عهد الأمة بعيد بممارسة السلوك الإسلامي في المعاملات بين الافراد منذ انهارت حضارة الإسلام وغزتنا الحضارة الغربية وشكك في ديننا بعض أبناء هذا الدين أكثر من أعدائه.
وقد يكون السبب أيضاً ان أسلوب الخطاب الوعظي والدعوي انحصر في مراحل ضيق الآفاق على حصر الدين كله في العبادات وحدها فوقر في أذهان الناس ان من أدى العبادات فقط دخل الجنة وإن كذب وإن سرق وإن حنث وإن أكل مال أخيه وإن باع على بيعه وإن خان وإن... وإن.. إلخ، ولو كان هناك تركيز في الخطاب الدعوي والوعظي على أهمية السلوك والمعاملات بين المسلمين مع بعضهم بعضاً مثل تركيزنا في الحض على أداء الصلوات والزكوات وغيرها من الفرائض التعبدية لما استهان المسلمون بمسألة المعاملات فيما بينهم، وهي لاتقل أهمية إطلاقاً عن العبادات بل ان الله سبحانه وتعالى ليغفر للعبد تقصيره في العبادات لانها شأن بينه وبين ربه ولايغفر له فيما بينه وبين أخيه المسلم أو حتى غير المسلم - في مسألة المعاملات والسلوك والحقوق.
وقد غرقت في بحر حزين من الهموم عندما مر بي حديث جليل عظيم في أحد كتب الحديث التي تدرسها ابنتي في الصف السادس الابتدائي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ژ):
«لاتحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولايحقره. التقوى هاهنا.. التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر ان يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (رواه مسلم).وسألتني ابنتي ببراءة بعد ان شرحت لها معاني الحديث: ولماذا لايعمل المسلمون بما جاء في الحديث وهم يؤدون الصلوات وكافة العبادات؟! فحرت جواباً، ولا أظن حتى هذا المقال يجيب على سوالها، فمن أهاب هذا الحديث العظيم اجتمعت الخصال الذهبية التي لايصبح المسلم مسلماً إلا بها لأن «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده» أي من أذاه، وبالامتناع عن فعل ما نص عنه الحديث يصبح المسلم حسن الخلق وجيهاً عند الله في الدنيا والآخرة.. ان هذا الحديث العظيم يرسى بنود دستور المسلم في حياته اليومية. ولو يقف كل مسلم أمام مطالب هذا الحديث ويسأل نفسه بصدقٍ وأمانه: ماذا قدمت بين يدي الله سبحانه وتعالى مما يأمرني به في هذا الحديث؟!.
وبناء على جواب صادق وصريح لهذا السؤال يستطيع الإنسان المسلم ان يعيد تقييم نفسه، ويعيد النظر إلى منهج حياته ليصنع ذلك التلوافق والتوازن بين العبادات والمعاملات.. بين الصلاة والحياة فإذا تم هذا التوافق كانت حياة الإنسان المسلم كلها صلاة.. فما يعمل ابن آدم عملاً يحتسبه لله ويبتغي به مرضاة الله إلا كتب احتسب له عبادة وقربى، فما أعظم ما يحثنا عليه ديننا وهو ان تكون كل حركةٍ وسكنةٍ في حياة المسلم عبادة وصلاة؟!.
|