قد يقول قائل اننا نعيش زمن المسابقات، لا بل اننا في تسابق من اجل كل شيء، وقد يكون في هذا الكلام شيء من الصحة، ولكن التسابق انواع، وكل يتسابق من اجل ما يراه مناسباً له، والفائز من كان سباقه لوجه الله الكريم كان سباقاً للخير وبالخير ومن اجل الخير، سباقاً يتفيأ ظلال القرآن الكريم، ويحيا بنور الايمان، ويسعد بحلاوة الاسلام، أليس هذا هو التسابق الذي يريده الله لنا سعادة في الدارين؟
لقد تعهد الله تعالى كتابه الكريم بحفظه الازلي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وجعل وسائل هذا الحفظ متعددة متنوعة على اختلاف الازمنة والعصور، ولعل من تلك الوسائل المؤكدة النفع بإذن الله تعالى في هذا الاوان هي تلك المسابقات التي جعلت حفظ القرآن الكريم تاجا لها، وانطلقت على مستويات مختلفة من الحي الى المدينة الى المنطقة الى الوطن كل الى العالم كله، وعندما تصل الذروة الى العالم فإننا بالطبع نتحدث عن مسابقة الملك عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم الدولية، تلك المسابقة التي تتربع على عرش تلك المسابقات متباهية بعشقها للقرآن الكريم، وعشاقها من كل ارجاء المعمورة يأتون لعرسها، ويحضرون الزفاف، واي زفاف، انه الاجتماع المبارك بين احبة القرآن، كل يسابق اخاه، وكل يقوم بما يستطيع، وكل يحاول ان يكون الاميز والابرز، وكل ينسى هموم الدنيا ومشاغلها من اجل سعادة اخرى، سعادة حقيقية، ونعيم لا يزول، وبطبيعة الحال فإن مسابقة تحتل هذا الموقع على ساحة المعمورة لابد ان تصدر عن جهة لها مكانتها، وبالطبع فالنبع او المصدر هو المملكة العربية السعودية، ونعم المملكة تلك، انها الحضن الدافئ للاسلام والمسلمين اينما كانوا، وحيثما حلوا، فكيف لا ترعى القرآن وهي التي قامت عليه! وكيف لا تقدم له الغالي والنفيس وهي التي جعلت من خدمته شعاراً او اساساً لها!، وكيف لا تعمل على انجاح مسابقات القرآن الكريم، وهي التي جعلت هذ المسابقات حالة جماهيرية عامة بين ابناء الامة الذين يحيون الحالة الاسلامية الصحيحة، تلك الحالة القائمة على وسطية الاسلام!
ان تلك المسابقة المباركة هي احدى المكارم التي تقدمها هذه الدولة الفتية لابنائها وناشئتها وشبابها تشجيعاً لهم على حفظ كتاب الله لما فيه خيرهم وصلاحهم، وهي ترجمة حقيقية للاهتمام الدائم والمتواصل الذي تقدمه الدولة للقرآن الكريم واهله في كل زمان ومكان.
وتمتاز هذه المسابقة الدولية بميزات لا تحظى بها غيرها، فعدا كونها دولية، هي مسابقة تعقد كل عام بمهبط الوحي، وفي قلب البقاع الطاهرة، وتنطلق من الارض التي كانت المنطلق الاول لللدعوة الاسلامية، وتحظى بكل رعاية ودعم ومؤازرة منذ انطلاقتها المباركة عام 1399هـ، وستبقى كذلك الى ما شاء الله والدعم واحد ودائم من كل فرد بدءاً بالقيادة الحكيمة الرشيدة وانتهاء بأبناء هذه الامة صغيرهم وكبيرهم.
لقد شارك بهذه المسابقة المباركة ومنذ انطلاقة دورتها الاولى من قبل نهاية القرن الهجري الرابع عشر وحتى الآن «3686» مشاركاً، تم تتويج «547» فائزاً منهم في فروع المسابقة الخمسة.
لقد حافظت المسابقة على استمراريتها وبدون اي انقطاع - ولله الحمد - ، وقدمت المملكة للمسابقة منذ الانطلاقة وحتى الآن ما ناف على الثمانين مليون ريال.
لكل هذا اضحت المسابقة محط انظار ابناء الامة، وتطلعهم المشروع للالتحاق بركبها والمشاركة بها فهي الاميز من حيث المكانة المعنوية والمكانية وحتى المادية، وهي التي لأجلها تشحذ لها الهمم والعزائم من اجل نيل الثواب اولاً واخيراً وفي الوقت نفسه الحظوة بشرف المشاركة بهذه المسابقة الطيبة العطرة.
ولو اردنا التفصيل بسر تميزها، فمن الناحية المعنوية هي مسابقة دولية وشرف المشاركة فيها ينطبق على من يمثلون بلدانهم، ومن يمثل بلده فهو في الغالب الافضل والاحسن، وبذلك يكون التنافس على مستوى القمة، اما الناحية المكانية فلا اشرف ولا ارقى من مهبط الوحي في ارض الحرمين الشريفين، ويتاح للمتسابق بطبيعة الحال اداء العمرة وزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالاضافة لزيارة المشاعر المقدسة والتقاء علماء العربية السعودية.
اما الناحية المادية فتترجمها جزالة الجوائز المقدمة، والسخاء الذي تعامل به المسابقة والمشاركون فيها.
لقد شهدت المسابقة وعلى الدوام تطوراً ملحوظاً ومستمراً، فكانت الشجرة تكبر عاماً بعد عام، بلا توقف، وبفضل الرعاية الكاملة التي تحظى بها والقوة الروحية الكبيرة، التي تتمتع بها اهداف المسابقة.
لقد بذلت وزارة الحج والاوقاف سابقاً جهوداً مضنية في مرحلة التأسيس والبناء، بل وفتح الطريق لانطلاقة مسابقة النور، وتبذل - حالياً - وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد ومنذ عام 1414هـ، وهو عام انشائها جهوداً تستحق كل الشكر والتقدير في سبيل التطوير والتحديث ومواكبة العصر بالشكل الذي يخدم الاسلام وقضاياه بالشكل الامثل والاسلوب الاروع، ومن ذلك سعيها الدائم لتطوير المسابقة حيث جندت الامكانات المادية والبشرية وشكلت اللجان والبرامج الثقافية والدعوية المصاحبة لتلك المسابقة حتى لا تصبح المسابقة مسابقة للحفظ فقط، بل جعلتها تتلون بألوان تزيدها اشراقاً وبهاء، وفي الوقت نفسه تقربها من النفوس بصيغة عصرية، بشكل يعطي صورة ادق واوضح عن الاسلام والمسلمين.
لقد وصلت المسابقة الى درجة من المجد ندعو الله ان يزيدها ويديمها، ان طموحنا المشروع، ليجعلنا نطمع بالمزيد، والطمع بالخير خير بإذن الله، ولذلك نقول إنه يجب التوسع في المسابقة، وذلك بإتاحة الفرصة لأكبر قدر ممكن من ناشئة الامة وشبابها للالتحاق بهذه المسابقة الغالية علي القلوب، ونخص بالذكر ابناء المسلمين في بلدان الاقليات.
اما زملاؤنا في وسائل الاعلام على مختلف انواعها من مقروءة الى مسموعة الى مرئية الى ما هنالك من وسائل دخلها الكمبيوتر والانترنت والفضائيات، فنتطلع الى ان يكون لهم من الجهد ما يواكب هذه المسابقة البالغة الاهمية لابرازها واعطائها حقها الذي تستحق، فيجب الحرص كل الحرص على تغطية كل فعالياتها ومناشطها، والا تكون في نظر الزملاء في الوسط الاعلامي مسابقة روتينية، فهي مسابقة حية، ويجب على الاعلام والاعلاميين مواكبة حيويتها.
انه لمن حقنا التساؤل اذا كان اعلامنا المحلي لا يواكب مسابقة بهذا الحجم وعلى هذا المستوى، فهل نتوقع من اي اعلام آخر ان يواكبها؟ بالطبع لا، فالواجب علينا قبل غيرنا، والكرة في ملعبنا - كما يقول اهل الرياضة - ولا يجوز وضعها في ملعب غيرنا.
وسؤالنا المشروع الآخر الذي ينبع من قلوب عامرة بالحب لهذه المسابقة هو لقد آن الأوان بعد مرور قرابة ربع قرن على هذه المسابقة لكي نقوم بتقويم شامل لجميع الاعمال والمناشط لتلك المسابقة بدءاً من كيفية توجيه الدعوة للمشاركة في المسابقة وحتى مغادرة الضيوف لارض الحرمين الشريفين،
وفي هذا نقد ايجابي للذات سعياً نحو التطوير وتقديم الافضل، ولا مجال للتهاون في ذلك مادام أن الهدف هو وجه الله - عز وجل - وخدمة كتابه الكريم.اننا وبخالص الفخر والتقدير لنذكر تلك الايادي المعطاءة التي ترعى هذه الجائزة، التي اوصلتها لهذه المكانة السامية في عالم مسابقات اليوم، واننا لعلى ثقة ويقين ان الايدي امينة، وان المسابقة في عهدة من يعرفون قيمة العهدة والامانة، وهذا يجعلنا نثق بأن الايام المقبلة ستأتينا بما يجعل هذه المسابقة اقوى واروع واجمل فوق جمالها وروعتها وحسنها، وما ذلك على الله بعزيز، والله ولي التوفيق.
|