اختتمت يوم الأربعاء الماضي الموافق 10/7/1423هـ فعاليات ندوة المجتمع والأمن تحت عنوان سوق العمل في المملكة الواقع والتحديات التي نظمتها كلية الملك فهد الأمنية تحت رعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ورئيس مجلس القوى العاملة حفظه الله.
ولقد شهدت جلسات الندوة المختلفة نقاشات متعمقة ركزت على العديد من الأسئلة المهمة التي تتعلق بواقع مساهمة عنصر العمل السعودي في العملية الإنتاجية ومدى تأثر ذلك على المتغيرات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
ولعل أبرز المواضيع التي حظيت باهتمام الحضور موضوع البطالة في الاقتصاد السعودي ومعدلاته الحالية والمستقبلية خاصة في ظل وجود أكثر من وجهة نظر حول هذا الموضوع وخاصة في ظل تواجد معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية الذي تفضل برئاسة الجلسة الأولى من جلسات الندوة. فعلى الرغم من وجود الكثير من أبناء وبنات الوطن الذين أكملوا مرحلة كاملة من مراحل التعليم والتدريب المهني والفني خارج أسوار سوق العمل بلا عمل يقيهم مؤثرات العوز المالي، إلا أن هنالك من يرى بعدم وجود بطالة في الاقتصاد السعودي منطلقاً من فرضية عدم امكانية تحقق ذلك في ظل وجود هذا العدد الكبير من العمالة الأجنبية ومن فرضية استمرار رفض عنصر العمل المحلي العمل خارج حدود مدينته وخارج حدود رغبته الشخصية.
وفي اعتقادي أن من يرى بهذا الرأي ربما يكون قد أهمل العديد من المتغيرات الرئيسة التي تؤثر في قرار عنصر العمل المحلي وتحكم حركة واتجاه متغيرات سوق العمل السعودي.
فإذا اتفقنا على وجود عدد كبير من أبنائنا وبناتنا عاطلين عن العمل، فإن من المفترض أن نتجاوز سؤال هل يوجد لدينا بطالة إلى سؤال أكثر أهمية حول الأسباب التي أدت إلى وجود هذه البطالة، وهنا أجد أن تكرار السؤال المتعلق بمدى وجود البطالة من عدمها ربما يعطل الجهود ويحجب الرؤية العلمية المنطقية التي تساعد على وضع الحلول الأكثر فاعلية لمواجهة المشكلة قبل استفحالها، نعم توجد لدينا بطالة مفتوحة والسبب في ذلك يعود إلى العديد من الأسباب التي يأتي في مقدمتها سياسة الاستقدام غير المقننة التي أدت إلى جعل سوق العمل السعودي مفتوحاً على أسواق العمل العالمية وجعلت الأجر السائد في سوق العمل السعودي لا يمثل ذلك الذي كان سيسود في حالة ضبط عملية وأسلوب الاستقدام.
كما أن من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى وجود البطالة في الاقتصاد السعودي انعدام الآلية الفاعلة لإلحاق عنصر العمل الوطني في فرص العمل المتاحة في الاقتصاد السعودي، ولعل فشلنا في تطبيق العديد من الأنظمة والقرارات المتعلقة بهذا الشأن يمثل أكبر دليل على عدم قدرتنا على فرض ما تنشده المصلحة الوطنية وتقتضيه الضرورات الأمنية والاجتماعية.
ومن الأسباب الرئيسة التي أدت إلى انتشار البطالة في الاقتصاد السعودي عدم تعاملنا مع عنصر العمل الوطني باعتباره صاحب الحق الأوحد في الحصول على فرص العمل المتاحة ومع عنصر العمل الأجنبي باعتباره بديلاً استثنائياً لا يحق له الدخول في منافسة مباشرة مع العامل السعودي.
إن قبول مبدأ المنافسة بين العنصر المحلي ونظيره الأجنبي يمثل تجاوزاً صارخاً لمفهوم الوطنية والمواطنة ويمثل عائقاً هيكلياً أمام كل محاولات التوطين المنشودة، فمن غير المفترض أن نقبل في دخول أبنائنا وبناتنا في منافسة غير متوازنة مع عنصر العمل الأجنبي الذي اكتسب ميزة نسبية من معطيات ومتغيرات لا تتوفر للعامل الوطني، وبشكل عام فإن وجود البطالة لم يعد قضية تقبل القبول أو الرفض ولكنه قطعاً يمثل قضية وطنية لابد لها من حل جذري يتعامل مع أسبابها الحقيقية دون تلاعب بالألفاظ أو تجاوز للمعطيات الواقعية والمنطقية.
إشارة
كيف يمكن لنا أن نتعامل مع متغيرات سوق العمل ونحن لا نمتلك معلومات دقيقة حول معدلات البطالة السائدة في الاقتصاد الوطني؟ وكيف يمكن لنا التخطيط للمستقبل ونحن ببساطة لا نعرف مكونات الواقع؟ سترك يا رب..
(*)أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية
|