مع التحية..
لعلّها واحدة من أشدّ الظواهر الاجتماعية خطراً وأعظمها ضرراً.. العنوسة.. صحيح أنها تطلق على الجنسين ممن طال مكوثهما في بيت أهله منهما دون زواج، لكن الخطورة والضرر على الفتاة تفوق بمراحل خطورتها على الشباب أو الرجال.
قد يقول البعض إن الطلاق أشد خطراً منها لما ينتج عنه من تفكك أسري وتشرد للأبناء، لكني شخصياً أميل إلى القول بأن العنوسة أشد خطراً من الطلاق، فقد يقع الطلاق دون أن يكون هناك أبناء، وحينئذ لا ضياع، وقد يوفق الله كلاً من الطليقين إلى شريك آخر يجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد يقع الطلاق عن أبناء يهب أحد الزوجين نفسه للقيام بشئونهم والتفرغ لرعايتهم وحُسن تربيتهم فلا يضيعون.
أما المسكينة التي ذبل شبابها، وطال ليلها وقد تحطمت آمالها؛ لا زوج تأنس إليه، ولا ولد تحنو عليه، فأصيبت بعقدة الرفض والإباء.. ترفض من يأتيها - إذا أتاها لإحساسها أنها لم تعد المرغوبة المطلوبة، وأن هناك حاجة أخرى في نفس من يأتيها بعدما شاخت وباخت. وقد كان ذلك الجرح إما من صنيعها وهي لا تدري حين كانت ترفض من يتقدم أيام الصبا والشباب إما رغبة في أفضل منه، وإما أنه قد يشغلها عن دراستها مثلاً، أو أن الرفض كان لسبب ما من جهة وليها الذي ولاّه الله أمرها.
أيّاً كانت الأسباب، تعددت والعنوسة هي العنوسة حتى وان شغلت العانس نفسها كما تفعل «بريجيت باردو».
رغم أنني سبق وأن شاركت أكثر من مرة في إثارة هذا الموضوع إلاَّ أنني ويعلم الله كنت دائماً أطمح إلى أن يكتب بعضهن عن مأساتهن: (أسبابها ودوافعها ونتائجها) فدائماًً: «أهل مكة أدرى بشعابها»، وها هو قد تحقق ما كنت أطمح إليه، فها هي «الوطن» مشكورة في عددها ال«164» تتعرض في صفحة كاملة باستطلاع موثّق بالإحصائيات والمقابلات الشخصية لشخصيات علمية وأدبية تستطلع آراءهم وتستقطب اقتراحاتهم ورؤاهم للتصدي ومواجهة الأمر الذي استفحل، فلعل وعسى يمكن تحجيمه قبل أن يستشري وتصبح مواجهته ضرباً من خيال أو أمراً مستحيلاً.
«مليون ونصف مليون عانس ومثلهنّ شباب في السعودية يريدون حلاً» كان هذا هو عنوان الاستطلاع الذي نشرته وقامت به «الوطن» أي ما يعادل حوالي 15% من عدد السكان.. هذا إن كانت الإحصائية التي اعتمدت عليها «الوطن» حديثه فلا تكون مثلاً عن سنة 1413ه، أو 1414ه كما هي العادة أن تكون الإحصائيات المتداولة غير حديثة، وبالتالي يكون الاعتماد عليها فيه شيء من الضعف.
صحيح، هناك محاولات - لازالت تعتبر فردية وشابة - لمحاربة هذه الظاهرة والتصدي لها، لكنها ليست بقوة انتشار الظاهرة نفسها؛ الدعوة إلى الزواج الجماعي؛ تحديد سقف أعلى للمهور؛ إنشاء مكاتب للزواج «مساعدة الشباب غير القادرين»، فتح باب التعدد على مصراعيه بتشجيع التعدد والحث عليه كما فعلت الامارات العربية المتحدة بأن استحدثت علاوة للتعدد.
ورغم أن صاحب الفضيلة الشيخ الحذيفي في حديثه إلى «الوطن» عن العنوسة قال: «ومشكلة العنوسة هذه لأول مرة أسمع عنها» إلاَّ أن فضيلته أردف قائلاً: «وهذه الظاهرة تحتاج للمعالجة».
إن الأمر جدّ خطير، وفعلاً يحتاج إلى مواجهة جادة، وباعتقادي حلاً لهذا الأمر لا بد من استنفار جهتين أساسيتين:
1 وزارة الشئون الاجتماعية.. أرى أنها يجب أن تقوم بدور فاعل وفعّال بدراسة أسباب هذه الظاهرة الفعلية لا من خلال الروتين العقيم، بمعنى لا بد من وقوفها على الأسباب الفعلية بعيداً عن التنظير وما شابهه، وبالتالي اقتراح الحلول المناسبة والكفيلة إن شاء الله بالقضاء على هذه الظاهرة نوعاً ما أو على الأقل بوضع حدٍ لها لا تتجاوزه مع مرِّ الأيام وكرِّ الليالي.
*، أو إيجاد آليّة اتصال مأمونة مضمونة يتّصلن من خلالها لبسط وشرح حالتهنّ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
حمدين الشحّات محمد |