من يتأمل صفحات التاريخ يتضح له أن ثقافة القوي تفرض نفسها على الضعيف حتى يصبح مقلداً له دون تفكير في غالب الأحيان، وفي العصر الحديث أصبح الغرب هو الجانب القوي مقارنة بأمتنا العربية الإسلامية،
ولهذا لم يكن غريباً أن وجدت بعض مثله وعاداته طريقها سهلة إلى صميم مجتمعاتنا ووسائل ثقافتنا، والإعلام جانب مهم ومؤثر من جوانب الثقافة، وتبرز في ثنايا إعلامنا المتخلِّف محتوى ومنهجاً وأسلوباً مظاهر تقليدنا لإعلام القوي المتقدِّم في هذه الجوانب، ولعلَّ من أبرز ذلك أن إعلامنا انساق وراء الإعلام الغربي دون تحفُّظ أو رويَّة.
ومن ذلك الانسياق الأعمى أننا تبنينا ما روَّجه إعلام الغرب من تسمية منطقتنا «الشرق الأوسط» حتى رأينا قضية أمتنا الأولى التي هي قضية فلسطين لم تعد تُسمى في إعلامنا إلا بالتسمية التي أطلقها الغرب: «مشكلة الشرق الأوسط». وهذا يصبُّ بالتأكيد في صالح إسرائيل التي روَّج السوسة الخطرة فيها، وزير خارجيتها الحالي، لما سمَّاه الشرق أوسطية.
وأصبحنا نقول «مشروعات السلام» عن مشروعات التسوية التي تتم بين جانب قوي يفرض شروطه الصعبة، وهو الجانب الإسرائيلي المؤيَّد تأييداً غير محدود من أمريكا، وجانب ضعيف تدل الدلائل على أنه، قادة وشعوباً، فقد، أو كاد يفقد، ثقته بنفسه حتى أصبح يقبل تلك الشروط، أو معظمها، تائها وراء سراب بقيعة. وكأنه في موقفه هذا لا يدرك أنه يتعامل مع طرف ليس لديه مثقال حبة من خردل من رغبة في السلام، بل يريد العرب أن يستسلموا له، ويضمنوا السلام له وحده رغم احتلاله الأرض وشنه حرب إبادة على أهلها، ولقد استجاب لإرادته من قادتنا من استجاب.
والأدهى أن بعض أجهزة إعلامنا العربية ما زالت تصف أمريكا براعية السلام وهي التي تدعم إسرائيل دعماً غير محدود، تسليحاً وتمويلاً ووقوفاً سياسياً ومعنوياً، بل إن هذه الأجهزة التي لو أن المرء لا يشك في غبائها لقال: إنها مشبوهة، ما زالت تردِّد ما يردِّده الإعلام الأمريكي من أن أمريكا تشنُّ حرباً على الإرهاب، وفات هذه الأجهزة أن تاريخ هذه الدولة مليء بالشواهد الدالة على اتصافها بما تدَّعي أنها تحاربه، ولأنها تمارس ما تزعم أنها ضده فإنها لم تعر بالاً للنداءات التي طالبت بتعريف الإرهاب، مستبدة دون دول العالم بما تراه ومنفّذة له.
على أن المؤلم حقاً أن أجهزة إعلامنا التي غلطت يوماً فنبست بضرورة تعريف للإرهاب ما لبثت أن تناست غلطتها وما نبست به، فراحت تردِّد «مع الخيل يا شقرا» عبارة محاربة أمريكا للإرهاب، بل بلغ هبوط مستوى إعلامنا العربي إلى درجة أنه يتحدث عن أمريكا بخاصة وكأنها مخلصة لما تدعيه من تطبيق للديمقراطية وحقوق الإنسان مع أن حقائق التاريخ تثبت أنها تآمرت على حكومات منتخبة ديمقراطياً، وبدَّلتها بدكتاتوريات عسكرية خدمة لمصالحها الذاتية.
أما حقوق الإنسان فيُعرف صدق ما تدعيه بشأنها من كذبه في ضوء مواقفها التي لا تحصى، ومن آخرها دعمها لإسرائيل في فلسطين، وما ارتكبته في أفغانستان وقاعدة جوانتنامو، وها هي ذي الآن ترعد وتبرق لتقوم بحرب ضد العراق يعلم الله وحده ما سينجم عنها من ويلات ومصائب لا على هذا البلد الشقيق المبتلى وحده، بل على أمتنا كلها.
وما يجري على أرض فلسطين واضح كل الوضوح: إرهاب دولة مغتصبة لا يُتوقع منها إلا الإرهاب، ومقاومة شعب محتلة أرضه شبه أعزل من السلاح إلا من إيمانه بربه ثم بتصميمه على استعادة حقوقه مهما كلفه ذلك من تضحيات.
ومع هذا الوضوع فأجهزة إعلامنا العربية ما زالت تردِّد عبارة: «العنف والعنف المضاد» وكأنه لا يوجد احتلال وإرهاب دولة بجميع الأسلحة الفتاكة، بل إن هذه الأجهزة تذيع أخبار الجرائم الصهيونية وكأنها تذيع نشرات الطقس دون أيِّ إيحاء بتأثر لما يحدث تماماً كما د. عبدالله الصالح العثيمين
يفعل الإعلام المعادي.
والسؤال هو: هل يستطيع إعلامنا العربي أن يتحرَّر من ربقة أعداء أمتنا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال واضحة،
فالإعلام أداة لا يمكن أن يؤثِّر فيها إلا فعل عربي جاد وهذا الفعل العربي الجاد لا تبدو في الأفق بوادر لوجوده الآن، ولا احتمال حدوثه في المستقبل القريب، والسبب
{ إنَّ اللّهّ لا يٍغّيٌَرٍ مّا بٌقّوًمُ حّتَّى" يٍغّيٌَرٍوا مّا بٌأّنفٍسٌهٌمً }
|