إنني اشعر بعظم المسؤولية وثقل الأمانة التي شاء الله سبحانه وتعالى ان احملها، راجياً منه جل وعلا أن يعينني على حملها، وإنني أعاهد الله ثم اعاهدكم بأن أسخر كل جهودي ووقتي من أجل العمل على راحتكم، وتوفير الرخاء والأمن والاستقرار لهذا البلد العزيز، وان أكون أبا لصغيركم، وأخاً لكبيركم، فما أنا إلا واحد منكم يؤلمني ما يؤلمكم ويسرني ما يسركم». كلمات صادقة ومعبرة، وجزلة في معانيها، وكبيرة في مدلولاتها، قالها خادم الحرمين الشريفين قبل واحد وعشرين عاماً، عند تسنمه سدة الحكم في المملكة العربية السعودية في 21 شعبان 1402هـ.
قال فوفى، ووعد فصدق، وخطط فأنجز، فخلال الواحد والعشرين عاماً الماضية قفزت المملكة -ولا أقول خطت- بل قفزت قفزات كبيرة في شتى المجالات، لتواكب التطور العالمي، وترتقي بالإنسان السعودي في كل منحى، ليتمكن من المساهمة الفاعلة والإيجابية في تحديث وتطوير بلادنا، والنهوض بها لمصاف الدول المتقدمة صناعياً وتقنياً.
في عهد خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- توسع التعليم وانتشر حتى غطى كل هجرة وقرية، وزاد عدد الطلاب من الآلاف الى الملايين، كما واكب ذلك تطور كبير في التعليم العالي والفني، حتى اصبح عدد الخريجين والخريجات من الجامعات والكليات يعد بعشرات الآلاف - بعد ان كان يعد بالعشرات - وتنوعت مجالاته لتغطي شتى مجالات الحياة، فأصبح الطبيب السعودي مظهرا معتادا في مستشفياتنا، بعد ان كان حالات نادرة، وأصبح المهندس السعودي السمة الغالبة في المنشآت الصناعية العملاقة بعد ان كان وجوده فيها عملة نادرة.
كما نهضت الخدمات خلال هذا العهد الميمون حتى اصبحت تضاهي ما يحصل عليه مواطنو الدول المتقدمة صناعياً، والتي سبقتنا في هذا المجال بعقود عديدة، فتحولت الطرق الترابية الى خطوط سريعة على أحدث طراز، وشملت خدمات الكهرباء أكثر من سبعة آلاف هجرة وقرية ومدينة، وغطت خدمات الاتصال جميع ارجاء المملكة، وعمت الخدمات الصحية والرعاية شتى ارجائها، حتى اصبح المواطن يحصل في القرى النائية على معظم او جل الخدمات التي يمكن ان يحصل عليها في المدينة دون عناء.
وشهد عهد خادم الحرمين الشريفين تطوراً كبيراً في الأنظمة حيث صدرت الأنظمة الأساسية الثلاثة: «نظام الحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق» وتبعها تحديث لكثير من الأنظمة والنظم، بهدف تسهيل وتيسير وتطوير الإجراءات في جميع أجهزة الدولة وتأهيلها لمواكبة متطلبات العصر، وخاصة في ظل توسع الاتصالات وشمولها، وتيسر سبل المواصلات وتبادل المعلومات، وانفتاح الحدود، وتداخل المصالح، والمنافسة على الأسواق، والاستثمارات على مستوى عالمي. ومع هذه التطورات العملاقة ومع ما تعرض له العالم من هزات سياسية واقتصادية حادة، فقد حافظت دولتنا على ثبات يضرب به المثل، ثبات في السياسة التي لم تحد عن مبادئها، التي رسمها مؤسسها الملك عبدالعزيز -رحمه الله- وسار عليها ابناؤه من بعده، سياسة واضحة المعالم، وجلية السمات، تستمد منهجها من كتاب الله وسنة رسوله ونهج الصحابة والتابعين، كما حافظت على ثبات امن البلاد واستقرارها مع ما تعرضت وتتعرض له المنطقة من قلاقل وفتن، وما ذلك إلا بفضل الله ثم بحصافة وحكمة القيادة وصلاح المنهج.
وتوج عهد خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله- بلؤلؤتين سيذكرهما التاريخ الى الابد وهما: التوسعات العملاقة وغير المسبوقة للمسجد الحرام والمسجد النبوي، تلك التوسعات المتميزة في الحجم والنوعية، وحسن السبك والتصريف، وواكب ذلك تطوير لنوعية وكمية الخدمات التي تقدم لمرتاديهما من الحجاج والمعتمرين والزوار، فالله اسأل ان يجعلهما في ميزان حسناته، وان يسبغ عليه نعمة الصحة والعافية، وان يديم على بلادنا الأمن والأمان والاستقرار، في ظل حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني.
(*) عضو مجلس الشورى |