حينما تلوح لي جبال مكة الشامخة في كلِّ زيارة لها، تنهال على مخيّلتي صورٌ كثيرةٌ مشرقةٌ وقاتمةٌ، صافيةٌ وغائمة، صورٌ تخرج أمام عين بصيرتي على هيئة لوحاتٍ مرسومةٍ بمداد التاريخ الموغل في أعماق الزمن الماضي، صورٌ تحمل ملامح آلاف البشر الذين ذهبوا في الذاهبين، وآلاف البشر الذين وفدوا في الوافدين، صور تبرز لي معالم وادٍ غير ذي زرع، مقفرٍ مجدب، تتلوّى بين جباله الشاهقة أوديةٌ تتحوَّل حبات رمالها إلى جمرٍ ملتهبٍ تحت أشعة شمس الصيف الحارقة، واد غير ذي زرع، لا أثر فيه لماءٍ أو عشب أو شجر، ولا تسمع فيه صوت فاغيةٍ ولا ناغية ولا راغية، وإنما تسمع أصوات صفير الرِّياح تتجاوب به الجبال والصخور، فيتحوَّل إلى ما يشبه آهات المتوجِّعين، وكأنها تعبِّر عما في صدر هذه البقعة المباركة من الشوق والحنين، إلى هبَّات نسيم اليقين، وصوت تلاوةٍ لآياتِ كتابٍ مبين، يرتِّله أفضل المرسلين.
هنا في هذا الوادي المجدب المقفر إلاَّ من ذلك الإخصاب الرُّوحي الذي يتجلَّى في معالم خافية عن الأنظار، مغمورةٍ في بطحاء ذلك الوادي من آثار بيتٍ مباركٍ محرَّم، تنثال على الذهن صورٌ عجيبة، تكاد تجتاح ذاكرتي، وتغمر بغزارتها مخيِّلتي، من ماضٍ بعيدٍ موغلٍ في البعد، وحاضرٍ قريبٍ ماثلٍ للعيان، وبينهما أجيال وأزمان، فيها من العبر والآثار، وعجائب الأخبار ما يجعلها ثروةً لا تضاهيها ثروةٌ قيمةً ومكانة وإشراقاً.
«أم القرى»، هذه الجوهرة الثَّمينة في قلب هذا الكوكب الأرضي، ببيتها المحرَّم، وجبالها الراسخة، ورمالها الصافية، ومشاعرها الطاهرة، أم المدائن كلها، وسيِّدة البقاع، ومهوى أفئدة الناس أجمعين.
مكة المكرمة.. وهل في الدنيا أعظم من هذا الاسم وأجمل، أم القرى.. وهل في الدنيا أوفى من هذا الوصف وأكمل، مهبط الوحي.. وهل في الدنيا أسمى من هذا المقام وأفضل..
حينما أزورها أغوص في أعماقها، فأرى معالم الكعبة واضحةً تراها عيون الكون كله، وأرى رواحلَ مباركة تحمل أنبياءَ الله، تخوض بهم الرِّمال، وتصعد بهم الجبال في رحلة مباركة إلى هذه البقاع الطاهرة، أكاد ألمس صورهم وهم ينحدرون من الجبال المحيطة بهذا المكان حاجِّين لله مهلِّلين مكبرِّين ملبِّين، فقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن حَجِّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى «أم القرى»، ورسم لنا في بعض الأحاديث صوراً لهم وهم يقطعون الفيافيَ والقفار، أداءً لهذا النسك العظيم.
ثم أرى هاجر تذهب وتجيء تطلب ماء لطفلها الرضيع، وهي على يقين أنها لن تضيع ولا طفلها يضيع، ثم أراها تحاول أن تَزُمَّ الماء حتى لا يسيح في الأرض بعد أن فرَّج الله الكربة وكشف الغم.
ثم يقفز الزَّمان بي قفزةً طويلة فإذا بي أطلُّ على البيت الحرام في سيارةٍ فارهةٍ أنيقة في يوم 16/8/1423هـ، فأرى صورة جديدة، لذلك الوادي المقفر المجدب، صورةً للحرم المكي الشريف بمآذنه الشامخة، وساحاته الفسيحة، وبنائه الفريد، تتوسَّطه الكعبة الشريفة، وتتوافد إليه جموع غفيرة من كل مكان، بألوانها المختلفة وأجناسها المتعددة، ولغاتها المتباينة، وأشعر أنَّ الصور تتداخل في ذهني على هيئة لا نظير لها، حتى تكون أعظم لوحة وأجملها وأغربها، لوحة تختلط فيها صورة وادٍ غير ذي زرع، بصورة أم وطفل ورضيع يكاد يموت من الظمأ، مع صورة «نبع ماءٍ» ينبع تحت قدم الرضيع، ثم صورة أبٍ كريم يبني بيتاً كريماً بمساعدة ابن كريم، مع صورة رسول «خاتم للأنبياء» يتلقى وحيَ السماء، مع صورٍ أخرى كثيرة تتوِّجها صورة المسجد الحرام اليوم بمشروعه الذي لا نظير له وتوسعة خادم الحرمين الشريفين التي تسرُّ وترضي، وتثير الإعجاب.
شتان بين سيارة تابعة لجامعة أم القرى التي استضافتني في أمسية شعرية عام ثلاثة وعشرين وأربعمائة وألف للهجرة، وبين ناقة تنحدر نحو الكعبة سنة ثمانٍ من الهجرة المباركة، نعم شتان بين الوسيلتين، وشتَّان بين من يمتطون كلَّ وسيلة منهما، ويبقى المكان شامخاً طاهراً عظيماً لأن الله قد كتب له الشموخ والطهر والعظمة إلى أن تقوم الساعة.
«أم القرى» إيماءات رائعة كلَّما سعدت بزيارتها، وجامعة أم القرى حضنٌ ثقافي دافئ أسعدني بلقاء جماهير الأدب والشعر في أمسيَّة تقف سامقة بين كل الأمسيَّات التي أقمتها، فما أسعدنا ب«أم القرى»..!!
إشارة:
من هنا يبدأ الطريق امتداداً وهنا ينتهي أنين البطاحِ وهنا تنفض البقاع يديها من بقايا الكؤوس والأقداحِ بعثةٌ للهدى، فوجه حراءٍ يتجلَّى نوراً على كل ساحِ |
|