صفحات من بناءً وإعماراً وتوسعةً وخدمةُ الحجيج وزوار مسجد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.
فيما يخص قضية فلسطين دعا الفهد إلى السلام العادل، وأحرج أعداء السلام عندما طرح في مؤتمر فاس إبان ولايته للعهد ما سمي آنذاك «مشروع فهد للسلام» وكان ذلك في شوال 1401هـ الموافق 1981م.
وعُدّت هذه المبادرة أول مشروع متكامل ومتوازن يؤكد صدق النوايا العربية للوصول إلى تسوية عادلة مهدت السبل لمخاطبة العالم بمنطق عربي واستند الفهد إلى ثماني نقاط واضحة وأساسية في مشروعه وهي:
1- انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967م.
2- إزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967م.
3- ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
4- تأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية ممثله الشرعي والوحيد وتعويض من لا يرغب في العودة.
5- تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلان لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد على بضعة أشهر.
6- قيام الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس.
7- تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
8- يقوم مجلس الأمن بتنفيذ تلك المبادئ.
وقد تبنت الدول العربية في مؤتمر القمة العربي الثاني عشر الذي عُقد في مدينة فاس بالمغرب في 6 سبتمبر 1982م مشروع الملك فهد للسلام في الشرق الأوسط، وأطلق عليه اسم: المشروع العربي للسلام.
ويؤكد ذلك المشروع الاهتمام السعودي بفلسطين قضيةً وأرضاً وشعباً ومقدساتٍ، وضرورة الوصول إلى حل عادل يقوم على القرارات الدولية، ويحفظ الحقوق لأصحابها الشرعيين.
وعندما انطلقت محادثات السلام في مدريد في أكتوبر من عام 1991م وضعت المملكة علاقاتها الدولية وراء جهود إقرار السلام العادل والدائم لأزمة الشرق الأوسط، من أجل تمكين العرب من استرداد حقوقهم المشروعة، وشددت على تطبيق قرارات الأمم المتحدة بالأرقام «242، 338، 325» حتى توجت تلك المحادثات باتفاقات أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عام 1993م، وظلت المملكة تدعم كل مراحل العملية السلمية وتشد أزر المفاوض الفلسطيني والعربي وتدعمهما مادياً ومعنوياً لمواجهة أساليب المراوغة الإسرائيلية، وشكلت بذلك ولا تزال العمق الاستراتيجي في التفاوض من أجل إقرار سلام شامل يقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام، والانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من الأراضي العربية المحتلة.
وقد ظلت القدس في مقدمة اهتمامات خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز أيده الله وذلك باقتناع راسخ من أن القدس هي صلب القضية الفلسطينية ومحور الصراع العربي الإسلامي مع إسرائيل وهذا ما جعل المملكة دائماً في طليعة الدول التي تستنكر أي قرار إسرائيلي أو أمريكي بخصوص القدس، وذكَّر الفهد المسلمين بأن قرار إسرائيل بضم القدس وعدّها عاصمة إسرائيل طعنة غائرة في قلوب المسلمين، وأن قلوب المسلمين ستظل تنزف دماً وحزناً حتى تعود القدس عربية مسلمة.
ومن منطلق دور المملكة الإسلامي وحرصها على مدينة القدس جاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز بتحمل المملكة نفقات ترميم وإصلاح قبة الصخرة، والمسجد الأقصى، ومسجد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومساكن الأئمة والمؤذنين بالقدس في أبريل 1992م، وبتكاليف بلغت أكثر من 30 مليون دولار، مما يعكس اهتمام المملكة العميق بالمقدسات الإسلامية، وأن تلك المقدسات تجد اليوم من يحميها ويصونها، ويدافع عنها ضد مخططات أعداء الإسلام والمسلمين.
وظلت المملكة تعقد الندوات والمؤتمرات واللقاءات العالمية بشأن المدينة المقدسة، وتنظم حملات التبرع الشعبي باستمرار، وتدعم صندوق القدس التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي يهدف إلى مقاومة سياسة التهويد، والمحافظة على الطابع الإسلامي والعربي، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني في القدس وبقية الأراضي المحتلة.
والمملكة هي أول من رفعت شعار «ادفع ريالاً تنقذ عربياً» في مقابل الشعار اليهودي «ادفع دولاراً تقتل عربياً».
وعندما اتخذ الكونجرس الأمريكي في يونيو 1997م قراراً يعدّ مدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل وتخصيص مائة مليون دولار لنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس أعلنت المملكة معارضتها لهذا القرار، وعدّته انحيازاً واضحاً ضد ترسيخ أسس السلام في المنطقة وفق مرجعية مدريد وأوسلو وواشنطن، وأكدت أنه لا يمكن تحقيق سلام شامل ودائم دون التوصل إلى حل عادل لقضية القدس الشريف.
وقد ترجم صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد الأمين سياسية خادم الحرمين الشريفين في زياراته للولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم في العامين الأخيرين وترجم حرص الفهد وموقف المملكة من مسألة القدس التي لا تفريط فيها أياً كان الثمن وقد عرفت إسرائيل ومَنْ وراءها أن هذا الموقف موقف ثابت لا يتغير في سياسة المملكة، فكانت الحملة الإعلامية على بلادنا فلم تستطع النيل من عزيمتنا وإرادتنا ولم تزدنا إلا عزاً وقوةً وتصميماً فقد علمنا الفهد أن نعض على ثوابتنا بالنواجذ ولا نتخلى عنها أو نموت دونها.
لقد أثبتت المملكة على الدوام دعمها المستمر وتأييدها المتواصل لأبناء الشعب الفلسطيني، وسخرت كل امكاناتها الاقتصادية لدعم القضية الفلسطينية، حيث بلغ مجموع ما قدمته المملكة للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1967م وحتى عام 1419هـ أكثر من «6 ،1» مليار ريال سعودي.
ويؤكد ذلك الدعم حقيقة مواقف المملكة العربية السعودية وسجلها الناصع، وأدوارها التاريخية من مناصرة القضايا العربية والإسلامية.
وذلكم هو الفهد المفدى وتلك هي مواقفه استمراراً لما أرساه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وخلفاؤه الملوك الميامين سعود وفيصل وخالد رحمهم الله وأمد في عمر مليكنا وكل جهوده بالنصر والفلاح إنه سميع مجيب.
(*) مستشار قانوني |