Friday 15th November,200211005العددالجمعة 10 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

ضرورة التقنية ضرورة التقنية
د. محمد بن عبدالرحمن البشر

عندما بدأت النهضة الأوروبية كانت الدولة العثمانية في أوج مكانتها وقدرتها، ثم أخذت هذه النهضة تتحول إلى ثورة صناعية، بدأت بالآلة البخارية وكانت الدولة العثمانية سيدة زمانها آنذاك، ولكنها ظلت تسير على نفس النسق الذي اعتادت عليه، ولم تلتفت إلى الأخذ بسبل المتغيرات الجديدة، إما لعدم إدراك أثر ذلك التغيير في النمط الإنتاجي على الحياة بمجملها، أو على الدولة العثمانية بذاتها، أو أنها تدرك الأثر لكنها ظلت عاجزة عن التأقلم مع المتغيرات الجديدة لأسباب إدارية، أو تنظيمية، أو سياسة داخلية، وبدأ السير الحثيث، ومن ثم القفزات تتوالى في أوروبا في الوقت الذي كان الأمر لدى الدولة العثمانية لا يعدو كونه حبواً، وبسببه أصبح البون بين القطبين يكبر لصالح الدول الأوروبية، ومع أن البون كان واضحاً جلياً، والتمايز في السرعة ظاهر للعيان، إلا أن ذلك لم يحفز هذه الدولة العريقة إلى اللحاق أو القفز إلى المقدمة، مع أنه كان ممكناً في ذلك الوقت لتوفر العلوم والمعارف، وعدم وضع حواجز في سبيلها.
أخذت السنين تمر، والعالم الأوروبي يتطور، ومن بعده الولايات المتحدة الأمريكية، حتى كشرت الحرب العالمية الأولى عن أنيابها، وإذا بالدولة العثمانية تجد نفسها الأضعف في ساحة الأقوياء، والأجدر بالتهميش والتمزيق والتقطيع وقد جاء من غيَّر الوجه القديم للدولة العثمانية بوجه آخر جديد وعن طريق عملية جراحية خلفت تشوهات كبيرة جداً، لكنها لم تنجح في استئصال الداء، أو تجميل الوجه، بل العكس من ذلك. وبهذا انتهت حقبة تاريخية من التاريخ لتحل محلها أخرى.
وفي السبعين سنة الماضية أخذت بعض الدول بمحاربة الاستعمار فنالت استقلالها، ففرحت به وأفرحت، ووعدت فهتف الناس من خلفها على أمل اللحاق بالركب، لكن الأمر لم يكن كذلك لأسباب سياسية وإدارية وتنظيمية والبون يزداد، والأعذار تباع في سوق العطارين، واستمر الحال كذلك.
وفي الثلاثين سنة الماضية بدأ يلوح في الأفق نمط جديد من المعارف وهو التقنية الحديثة مثل الصناعات الإلكترونية، والاتصالات، والجينات، والكمبيوتر..، وكان يمكن للقابع في مكمنه أن يسير على هذا النمط لو شاء لكنه لم يشأ مع توفر الظروف لذلك في بعض المناطق، وفي مناطق أخرى نهضت بعض الدول مع أنها لم تكن حاضرة عند قيام الثورة الصناعية الأوروبية، مثل كوريا، وسنغافورة، وماليزيا، هذه الدول لم تشارك أو تساهم أو تستفد من الثورة الصناعية في عضر نهوضها.لكنها قفزت في سنوات محدودة جداً إلى القمة في عصر التقنية الحديثة، هذا الأنموذج الماثل أمام العالم، ما زال شاهداً للبشر جميعاً أن من يشاء أن يعمل فيمكنه الوصول إلى غايته، إن هو أراد ذلك، لكن هذا يتطلب إدارة وتنظيم وعمل جاد دؤوب.الصين اليوم انفتحت على العالم، وأخذت بأسباب التقنية الحديثة بدءاً من قيادة فخامة الرئيس دينج وحتى قيادة فخامة الرئيس جيان زيمن، وحققت في بضع سنين تطورات هائلة وملموسة وواضحة للعيان، وكلها بفضل التقنية الحديثة، والقفز إليها قفزاً والركوب في عربة القطار قبل مغادرته، هذا التطور الملموس في الصين الذي ما زال يسير بسرعة كبيرة جداً أنموذجاً آخر من نماذج الممكن في عالم اليوم إن كانت الإدارة مع التنفيذ حاضرة في الذهن لدى القيادات و الشعوب معاً.إن أيسر الأمور على الذي لا يريد، هو تلمس الأعذار حتى يظل في نفس النمط الذي اختاره لنفسه دون رؤية أو اجتهاد ويجر معه نتائج غالية الثمن.إن عدم امتطاء جواد التقنية لا يقف عند تفويت فرصة فحسب، بل إن نتائجه تكون أكثر مرارة وحزناً، فالأثر لابد أن يمتد ليطال الاقتصاد، والأمن، وحرية اتخاذ القرار، وغيرها كثير..لذا فإن الاستراتيجية الإنتاجية هي الأهم لتحقيق استراتيجيات سياسية وثقافية وإعلامية، وغيرها من متطلبات الدول والشعوب، وكثير من الدول في منطقتنا قادرة على اللحاق لو أرادت وليس مع وقف التنفيذ، أو أن يكون التنفيذ خاطئاً.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved