يوم من أيام الشتاء البارد.. احمد يلعب في فناء المنزل مع اخته هدى يتقاذفان الكرة هنا وهناك.. يركضان في سرور.. اللعب ما زال يتواصل والفرح يملأ وجهيهما الصغيرين... فجأة قذفت هدى بالكرة بقوة لم يستطع أحمد ان يمسكها فتجاوزت سور المنزل وخرجت.. خرج يركض وراءها لعله يستطيع ان يلحق بها ولكن قواه الضعيفة لم تساعده فقرر المشي ببطء والبحث عنها بهدوء.. ما زال صغيراً فعمره مازال في الخامسة.
مرت الدقائق سريعة.. بدأت الشمس تستعد للمغيب.. لم يعد أحمد حتى هذه اللحظة.. دب الخوف في جسد هدى النحيل أسرعت تركض إلى داخل المنزل حتى تخبر والديها بالأمر.. ماما.. بابا.. لقد اختفى أحمد فمنذ خروجه لم يعد حتى الآن.
ذهلت والدتها من هول ما سمعت.. وقالت: ماذا حصل اخبريني؟
- لقد كنا نلعب بالكرة وفجأة قذفتها بقوة فتجاوزت السور.
- ولماذا لم تخبريني في وقتها؟
- لأنني لم اكن اتوقع ان تبتعد بهذه السرعة.
- يا إلهي ما العمل.. الطف به يارب.
في الجانب الاخر الأب المعاق قلبه يحترق على ابنه.. يحاول ان يفعل شيئاً من اجل اسرته ولكنه لا يستطيع واخيرا سلم امره الى رب العباد مضت الأيام.. لا يزال الوضع غامضا.. بدأت الأم المغلوبة على أمرها في البحث عن ابنها.. بحثت هنا وهناك.. طرقت أبواب الجيران لعل أحداً منهم يخبرها بأنه رأى ابنها المفقود.. سألت كل جيران الحي تقريبا والنتيجة هي نفسها.. بحثت في اقسام الشرطة.. في المستشفيات وفي كل مكان ولكن لافائدة.
مرت أربعة أشهر وأخيراً قررت أن تستمر الحياة كما لو كان أحمد موجوداً لم يصبها اليأس لحظة واحدة ففي كل صلاة ترفع يديها إلى الله وتتضرع إليه ان يعيده اليها.. كانت هي محبة للرسم كثيرا وفي يوم قررت ان تمارس هوايتها المحببة اليها.. فتحت باب المرسم.. وقفت للحظات جالت ببصرها في ارجاء الغرفة وأخيراً أمسكت بالفرشاة ويداها ترتعشان من شدة الخوف عليه.. بدأت في الرسم وبين الفينة والأخرى تقف لكي تتخيل وجه أحمد الطفولي.. انقضي اليوم الأول.. اغلقت الباب وغادرت بدأ يوم جديد يحمل بين جنباته الف معنى... خرجت للبحث من جديد.. لم تترك مكانا الا وبحثت فيه وفي كل مرة تعود بالنتيجة نفسها. قالت في نفسها يا ترى اين انت يافلذة كبدي.. هل تأكل.. هل تنام.. هل وهل!
مر أسبوع وأخيراً انتهت اللوحة.. لقد رسمت عليها وجه طفلها.. اخذتها ودقت لها مسماراً وعلقتها في غرفتها حتى تراها كل يوم.
صباح جديد.. المطر يهطل بغزارة.. خرجت للبحث لعل وعسى طافت الطريق طولا وعرضا ولكنها عادت هذه المرة بأنفلونزا حادة ألزمتها الفراش عدة أيام.. حرارتها مرتفعة.. حضر الطبيب إلى منزلها وصرف لها الدواء المناسب.. بدأ المرض يخف رويدا رويدا.. فزت من الفراش.. سارت على اطراف اصابعها حتى لاتوقظ البرد الذي يسكن بداخلها.. سارت بخطى حذرة.. تجاوزت كل شيء بحذر شديد خوفا من الاصطدام به.. وهناك الأب المعاق الذي انهكه التعب وازداد عليه المرض يحاول ان يتحرك ويساعد زوجته المسكينة.. قال في نفسه:
كيف لي ان اساعدها وان اسير لهذا الكرسي المتحرك.. ولكني اسأل الله ان يقف بجانبها.
استجمعت ماتبقت من قواها المتهالكة وخرجت للبحث المضني من جديد بدأ المطر يهطل من جديد وفي هذه المرة حاملا معه بعض زخات البرد خافت على نفسها من ازدياد المرض الذي لايزال يسكن بداخها لملمت انفاسها الحزينة ورجعت الى المنزل.. فتحت الباب وارتمت على الأرض من شدة التعب.. بدأت حالتها تسوء.. أصبحت غير قادرة على الحركة ولم تعد لديها القوة التي تجعلها تستمر في البحث عن ابنها.. وأخيرً أمسكت باللوحة وضمتها إلى صدرها ودموعها تسقط.. تسقط.. تسقط!
|