* القاهرة مكتب الجزيرة عثمان أنور عبدالله الحصري علي البلهاسي:
بعد حدوث مشاكل وتوترات في القرن الأفريقي فتش عن إسرائيل والعلاقات بين ارتيريا والسودان خير شاهد على ذلك حيث كانت العلاقة بين الشعبين السوداني والارتيري متداخلة قبلياً واجتماعياً وثقافياً حتى جاءت إسرائيل وبثت سمومها فبدلاً من أن يقام تحالف استراتيجي بين السودان وارتيريا بحيث تستقر الأوضاع بين البلدين وأن تكون العلاقات السودانية نموذجاً لعلاقات حسن الجوار العربي والأفريقي خصوصا وأن الدول العربية مجتمعة شاركت في دعم نضال وكفاح الشعب الارتيري ولكن النظام الارتيري ناصب السودان العداء حيث استضاف المعارضة السودانية المسلحة وتمادى في التصدي على الحدود، وقد تأكد النظام السوداني من أن اسرائيل هي التي تقف وراء الاعتداء الارتيري على أراضيها وهو ما يؤكد أن النظام الارتيري يتحرك وفق مخطط مرسوم له في المنطقة وقد حرصت إسرائيل منذ قيامها عام 1948م على أن يكون لها منفذ على ساحل البحر الأحمر وفي ذلك قال بن جوريون لو تمكنا من السيطرة على مواقع مهمة في البحر الأحمر فإننا نتمكن من مواجهة سور الحصار العربي وقد اندفعت إسرائيل بكل قواها للاستيلاء على قرية أم الرشراش في خليج العقبة عام 1928م وحولها إلى مدينة إيلات، وتعتبر إسرائيل مصدراً للتهديد الرئيسي للأمن العربي في البحر الأحمر فقد أقامت إسرائيل قاعدة عسكرية بحرية في إيلات لتكون قاعدة انطلاق في البحر الأحمر ودعم عمليات عسكرية وزودت هذه القاعدة بالأرصفة الخاصة بالدفاع الساحلي بالصواريخ باترويت واروورادرات بعيدة المدى وغيرها من الأسلحة والذخائر والمهمات الحربية، وعملت إسرائيل على توثيق علاقاتها مع اثيوبيا وتشجيعها على إقامة مشاريع مائية على نهر النيل بهدف التأثير سلباً على موارد مصر والسودان المائية كما أقامت علاقات قوية مع ارتيريا وتطورت هذه العلاقات إلى مستويات متقدمة في مجال التعاون العسكري والأمني، ويؤدي النفوذ الصهيوني إلى:
إجهاض جبهة التحرير الارتيرية ذات التوجه العربي بتخطيط من المخابرات الأمريكية لتمكين الجبهة الشعبية الصليبية وتأهيلها لتسلم السلطة بعد الاستقلال مع التخلص من القيادات الإسلامية في الثورة الارتيرية.
تأجيج الصراع الطائفي في ارتيريا من خلال تدريب قوات الكوماندوز من العنصر النصراني في اريتريا والتي تسببت في تدمير القرى الارتيرية المسلمة في عام 1967م ومحاصرة المد الإسلامي في المنطقة فبعد الزيارة الثانية التي قام بها أفورقي إلى «إسرائيل» في فبراير 1993م أصبحت محاربة الإسلام في اريتريا بندا من بنود نظام أفورقي.
الاقتراب اليهودي من أهم المضايق المائية في باب المندب وتطويق المنطقة العربية من الجنوب لتكتمل حلقات الحصار جنوباً في باب المندب وشمالاً بتركيا وإبعاد الشعب الارتيري عن محيطه العربي والإسلامي حيث يفرض عليه النظام هوية أفريقية متعددة القوميات بعيداً عن التوجه العربي الإسلامي مع رفض الدخول في الجامعة العربية ومحاربة اللغة العربية في ارتيريا.
بناء قواعد عسكرية «إسرائيلية» في الهضبة الارتيرية يمكن من خلالها التحكم في مراقبة كل المنطقة مثلما في منطقة جبل حامد ومهكلاي القريبة من الحدود السودانية بغرب اريتريا.
أعمال عدوانية
وقد فوجئ السودان بأعمال عدوانية من قبل اريتريا بينما كانت القيادة منهمكة في اتصالات واجتماعات للاتفاق مع قيادات المتمردين الجنوبيين للعودة إلى استئناف مفاوضات السلام التي سبق وأن أقرت تفاهماً حول الحكم لمدة ست سنوات.. ويقوم عدد من رؤساء دول الجوار في كينيا ببذل جهود للتوصل إلى اتفاق مبدئي لوقف القتال والتزام الطرفين بعدم القيام بأي عمليات عسكرية أو عدوان مثل الذي قام به جارنج واحتل مناطق تحت سيطرة الدولة في خديعة كانت مفاجئة للقوات المسلحة التي التزمت المهادنة والهدنة اثر استقبال الرئيس البشير لجارنج.
واعتبر السودانيون اللقاء وما تبعه من محادثات التزام شرف نحو السلام، ولكن أعقب ذلك عدوان ارتيري جديد استهدف المنطقة الشرقية من جانب المنطقة التي تحازي ارتيريا، إذ اخترقت القوات المعادية ثمانية مواقع في وقت واحد مما يؤكد صحة ما أُعلن في الخرطوم من أن اريتريا تقف وراء ذلك العدوان الذي ما كان ليحدث بقدرات المعارضة السودانية المحدودة التي لا يمكنها أن تتحرك وحدها في مساحة هائلة تبلغ 180كم ومواقع متعددة تسندها من الخلف مدفعية لا تملكها قوات المعارضة. ولما تبين للسودان أن ارتيريا كانت وراء هذا العدوان أصدرت القيادة قراراً بإغلاق الحدود بين الدولتين.
والتوجه العربي في ارتيريا لا تحكمه عوامل الجغرافيا والتاريخ فقط، بل تحكمه أيضاً عوامل عقائدية وثقافية حاضراً ومستقبلاً. والأمر الثابت هو أن الدول العربية ظلت تمثل الخلفية والحماية والدعم للثورة الاريترية منذ انطلاقتها عام 1961م، حتى انتصرت وحققت حلم الشعب الاريتري في إقامة دولته المستقلة، وينطبق هذا على جميع تنظيمات الساحة الاريترية باستثناء تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا الحاكم الذي رغم مشاركته التنظيمات الاريترية الأخرى في تلقي الدعم من العالم العربي - كانت برامجه وتصرفات قياداته تؤكد أنه في خط العداء والمواجهة مع العالم العربي؛ سياسياً وثقافياً وأمنياً، من خلال الارتباط بالكنائس في الغرب وتنسيق علاقاته مع دول الغرب وسياساتها في منطقة القرن الأفريقي.
النظام الإرتيري والكيان الصهيوني
أصبح موضوع علاقات النظام الإرتيري بالكيان الصهيوني من القضايا المثيرة للجدل في الآونة الأخيرة خاصة أنه امتداد للمشروع الصهيوني المتكامل لاحتواء أفريقيا في الوقت الراهن والذي تحدث عنه هرتزل قبل قيام الدولة الصهيونية على أرض فلسطين المسلمة بسنوات كثيرة حيث طرح في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897م ضرورة إقامة دولة للصهيونية في أوغندا بأفريقيا تحقيقا لأسطورة امتداد دولة «إسرائيل» من الفرات إلى النيل ومنذ ذلك الوقت أصبحت القارة الأفريقية محط اهتمام الصهيونية ا لعالمية والتسابق إلى احتوائها وكسب قادتها بعد خروج المحتل الأوروبي من معظم أقطارها حيث دخلت منطقة القرن الأفريقي في حسابات إسرائيل والولايات المتحدة خاصة محاولات إسرائيل المستمرة منذ الخمسينات لإيجاد مواقع تأثير وكسب قواعد لنشاطاتها السياسية والتجارية وعملياتها الزمنية ضمن نظرية الأمن «الإسرائيلي» القائم على تطويق الدول العربية بشبكة من التحالفات مع دول الجوار العربي على النحو الذي عرف فيما بعد بالبعد الثالث في الصراع «العربي الإسرائيلي» الإسلامي/اليهودي بإيجاد مخالب قط للكيان الصهيوني في أكثر من بلد مما يهدد الأمن العربي بجانب فلسطين المحتلة.
وتعد ارتريا التي استقلت بعد تضحيات دامت ثلاثين عاماً نموذجاً واضحاً لحضور وفاعلية الاستراتيجية الصهيونية في المنطقة وغياب الاستراتيجية العربية الموحدة تجاه أمن البحر الأحمر وباب المندب حيث أصبح النظام الارتري مصدر خطر وقلق دائمين للزمن العربي الإسلامي بعد توطيد علاقاته مع الكيان الصهيوني والرضوخ للتحركات الأمريكية الرامية إلى إعادة بناء الخارطة السياسية للمنطقة وتحالفاتها وآلية إثارة الفتن والحروب والنزاعات.
تهديد الأمن «القومي العربي»
ويشكل التواجد الصهيوني باريتريا خطورة فادحة على الأمن «القومي العربي» بسيطرة الصهاينة على البحر الأحمر من بوابتها الجنوبية لأن ذلك يمثل حسب وصف «بن جوريون» «موتاً أو حياة لإسرائيل»، وقد وجدت إسرائيل ما يحقق لها حلمها في أكثر المناطق حيوية لتمد خيوط تحركاتها إلى العمق الأفريقي في منطقة البحيرات العظمى وجنوب أفريقيا كما تسعى إسرائيل في الوقت الراهن إلى جعل اريتريا قاعدة للتصنيع الحربي في المنطقة عبر اتفاقية سرية بين كل من الكيان الصهيوني واريتريا ورواندا وبوروندي وأوغندا لتطوير الصناعات الحربية بحيث تكون اريتريا قاعدة لذلك المشروع.
الجار المشاكس
يقول هاني رسلان خبير الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إن ارتيريا دولة حديثة النشأة وخاضت حرباً طويلة ضد النظام الاثيوبي حتى نالت استقلالها ولكن وضعها يختلف عن وضع جنوب السودان فلديها قرار من الأمم المتحدة يعترف بشرعية استقلالها كما اعترفت به دول كثيرة على رأسها الدول العربية وحتى السودان نفسه ساعد الارتيريين كثيراً في الحصول على الاستقلال فقد استقبل السودان لاجئين من ارتيريا بمئات الآلاف وأقام كثير منهم في الخرطوم وضواحيها واحتوت الخرطوم سياسيين معارضين على رأسهم الرئيس الارتيري الحالي سياسي أفورقي وأعطى السودان دعماً سياسياً وعسكرياً للمعارضين الارتيريين.
وأضاف: لما وصل أفورقي للحكم وانفرد بالحكم وراهن بكل أوراقه على علاقته مع إسرائيل والولايات المتحدة وأدار ظهره با لكامل للعرب ولعب أفورقي دور الجار المشاكس بالنسبة للدول المجاورة له وأراد لعب دور كبير رغم كونه دولة صغيرة معتمداً على سنده الخارجي واستخدام أفورقي موقعه الاستراتيجي في ارتيريا في تقديم خدمات لأطراف معينين في المجتمع الدولي مقابل دعم هذه الأطراف له وحمايته في نزاعاته مع الدول المجاورة وأبرزها تحرشه باثيوبيا والسودان واليمن وهناك أحاديث تدور عن وجود إسرائيليين في جزيرة دهلك الارتيرية وهي منطقة استراتيجية في مدخل باب المندب ومن الواضح أن أفورقي يحاول لعب دور مخلب القط لكل من إسرائيل وأمريكا في هذه المنطقة الحيوية من أفريقيا.
وفيما يتعلق بالنزاع مع السودان أشار رسلان إلى أن ارتيريا التي تزعم اهتمامها بمسألة الجنوب في السودان لم تقم بأي دور في اتفاق ماشاكوس الأخير فهي لا تريد حلاً سلمياً للأزمة السودانية وإنما تريد أن تلعب بورقة الجنوب في السودان لتكريس مسألة عدم الاستقرار في السودان والقرن الأفريقي ولهذا الغرض قدمت الكثير من المساعدات اللوجيستية لقوات التجمع الوطني المعارض لمهاجمة السودان من الشرق حتى تفتح على السودان جبهة أخرى للنزاع في الوقت الذي يواجه فيه حرب توريت في الجنوب بهدف زيادة الضغط العسكري على حكومة الخرطوم وإضعاف موقفها في المفاوضات الجارية، وهذا كله ضد عملية الاستقرار في السودان وفي القرن الأفريقي كله وضد المصالح العربية في السودان واليمن ويهدد أمن البحر الأحمر واستمراراً لنفس السياسة عرض أفورقي أخيراً إحدى قواعده العسكرية تحت تصرف الولايات المتحدة الأمريكية لضرب العراق.
وأضاف: نتيجة لتراكم التصرفات السلبية لارتيريا بقيادة أفورقي حدث تعاون بين السودان واليمن واثيوبيا وفضح ممارساته الداخلية والتي لاقت إدانة دولية بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان وأسلوبه الاستبدادي في الداخل، وليس له حليف قوي في المنطقة سوى إسرائيل التي يرتبط معها بعلاقات وثيقة ويعتبرها حليفه الاستراتيجي وقد عولج في إسرائيل من مرض أصابه مؤخراً فهو يأمن لهم على حياته.
وأكد رسلان أن التوتر الحالي بين ارتيريا والسودان مرشح للتصعيد أكثر خاصة بعد تبادل الاتهامات بين البلدين واتهام السودان لارتيريا بمحاولة القيام بعملية غزو ضدها وانتقاد السودان التدخل الارتيري في الشؤون السودانية الداخلية خاصة في عملية السلام بين الخرطوم والمتمردين الجنوبيين وقال إن النزاع يمكن أن يتطور إلى نزاع عسكري إذا لم يتم احتواؤه وإذا لم يتم توجيه أفورقي لتعديل سياساته المعادية لجيرانه ولعل زيارة أفورقي الأخيرة للقاهرة كانت من أجل ذلك الغرض وحرصه على تعديل سياساته وتهدئة الموقف.
وعن موقف المتمردين في الجنوب السوداني من أي نزاع عسكري محتمل بين السودان وارتيريا قال رسلان إن المتمردين عقدوا اتفاقاً لوقف إطلاق النار ويلتزمون بالهدنة لإجراء المفاوضات كما أن المعارضين في الشرق ضعاف وليس لهم تأثير ولا تؤهلهم امكانياتهم للمشاركة في النزاع ضد السودان، ومن المستبعد أن يخترق الجنوبيون الهدنة وإلا اعتبر ذلك خروجاً على الهدنة الدولية التي ترعاها أمريكا والتي تشكل قيوداً على احتمال مشاركة الجنوبيين في مثل هذا النزاع رغم أن ملف الجنوب لم يغلق بعد.
ضغوط مزعجة
ويقول د. جمال عبدالجواد خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية إن العلاقات ما بين دول القرن الأفريقي محكومة بمبدأ توازن القوى وقد فشلت هذه المجموعة من الدول في إقامة نظام حاكم جماعي أو تعاون اقليمي يحد من المنافسات والصراعات فيها وأي تحسن في العلاقات بين البلدين أو أكثر من هذه الدول تنظر إليه الدول الأخرى على أنه تهديد لها ولذلك تمارس ضغوطاً مع أطراف أخرى لإعادة تشكيل تحالفها وعلاقاتها مع هذه الدول المتصالحة لصالح الدولة الضاغطة، وارتيريا تشعر أن عملية التسوية السلمية في السودان تستبعدها إلى حد بعيد في حين تلعب فيها دول أخرى دورا أكبر منها ولأنها تخشى من تهميش دورها في المنطقة فهي تضغط على السودان لتذكره بوجودها وعدم بعدها عن أي تسوية ومن هنا فإن دعمها لجماعات المعارضة المسلحة في شرق السودان يأتي في إطار هذا الضغط.
وأضاف: بالرغم من توتر العلاقات بين السودان وارتيريا حالياً إلى حد كبير بسبب هذه الاستفزازات الارتيرية والتحرش بالأراضي السودانية إلا أن الأمر لن يتطور إلى حدوث نزاع مسلح بين الطرفين، فهذا ليس بجديد من ارتيريا التي اعتادت إثارة المشاكل والنزاعات مع جيرانها منذ استقلالها.
وأشار د. جمال إلى أن القول إن ارتيريا أعطت ظهرها للعرب وتسعى لتعزيز تحالفها مع إسرائيل وأمريكا هو قول مبالغ فيه، صحيح أن ارتيريا لا تثق في العالم العربي ولديها شكوك في جدوى كثير من المؤسسات العربية ولكن من الصعب أن تدير ظهرها للعرب خاصة وأن نصف السكان فيها عرب.
|