في عالمنا المعاصر صار بعضنا أو بعض أبنائنا ينفر من الموعظة، ويشعر تجاهها بالملل والتكرار، وصار البعض الآخر ينظر إليها على أنها كلام معروف، وصار البعض لا يصغي إليها بجد وإنما تدخل أذنه اليمنى لتخرج من اليسرى قبل أن يتحرك من مكانه، ولهذا أسباب منها ما يرتبط بالفرد نفسه، ومنها ما يتربط بالمجتمع ككل ومنها ما يرتبط بالواعظ، ومجمل هذه الأسباب أدى لهذه القطيعة بين الشخص الواعظ والشخص المتلقي، وكان الخاسر الجميع والأمة ككل.
الموعظة حقيقة هي عصب حيوي للأمة، وهي النبع الذي يرويها بماء الحياة فهي اسم شامل يدخل تحته كل صفات الأخلاق الحميدة والعادات الفاضلة وتأتي من أي إنسان قادر عليها وتوجه لأي انسان من أهل وولد وجيران وآباء وأمهات وأقارب وأصدقاء وعموم الأمة، وعندما تأتي الموعظة في سياق منهجي منظم وفق أصولها فإن القلوب لا بد وأن تفتح لها، إلا تلك القلوب السوداء المغلقة على نفسها، فالموعظة يجب أن تكون جمالاً، وحباً، ودفئاً، وعاطفة، وفكراً ثرياً نافعاً مفيداً، شرحاً مختصراً يفي بالغرض، علماً يجمع بين الدين والدنيا برباط عصري تحت ظلال ربانية.
إن الموعظة الطويلة غير المرتبة مملة منفرة، أما التركيز فهو من ضرورات الوعظ، ويحسن بالواعظ أن يرتب الأولويات، وأن يكون بليغاً في كلامه، موجزاً، مؤثراً في مخارجه، مبتسماً بطبعه، باعثاً على العمل والانجاز، عارفاً بهموم الناس وشؤونهم، موجهاً خطابه لمن يعنيهم، قدوة حسنة لهم بنفسه بسلوكه وقوله، وهناك مؤثرات صوتية يسبرها وغيرها صاحب الباع الطويل من نوع نغمة الصوت وحدته وشدته، وصدق من قال: «إذا وعظت فأوجز فإن طول الكلام ينسي بعضه بعضاً» والكلام البليغ هو الذي يفهم الناس فيعطيهم على حسب مستوياتهم».
لقد عرف العرب هذه الحقائق فكانت مواعظهم أمثالاً ما زالت تتحرك بها الألسن إلى يومنا هذا، وبعد الإسلام الذي منّ الله به على هذه الأمة صارت الموعظة أساساً في العمل الإسلامي اليومي وفي العمل الدعوي لعموم الأمة وخارج الحدود، وكان أساس الموعظة الاستشهاد بكلام رب العالمين وبهدي سيد المرسلين وذلك في المكان اللائق بذلك، فيكون وقع الموعظة أكبر وأثرها أعظم بإذن الله.
لكل هذا كانت الموعظة علماً وفناً، ولا يجوز لغير الخبير بها أن يخوض غمارها، فهي بحاجة لشخصية بصفات معينة مع علم أساسي غزير يشتمل على علوم الدين وما يحتاجه الانسان من علوم الدنيا، وكذلك إلمام بصفات القوم المستهدفين بالموعظة، وفوق كل هذا التزام الشخص بما يقوله حتى لا تفقد الموعظة فعلها وأثرها.
ومن ثم مقدرة على جمع كل ذلك في وعاء واحد قوي متين يشرب منه عموم المتلقين فتعم الفائدة، ويتحقق المراد، وما أحلى المراد عندما يكون نصرة للحق ورفعاً لراياته والتزاماً بكتاب الله وسنّة نبيه صلوات الله وسلامة عليه، وإعلاء لشرع الله في أرض الله.. والله ولي التوفيق.
|