أسرة تعيش الفقر بكل أطنابه، حتى ان الأب يحسب على الأم عبسات تمرها فإذا رآها تأكل كثيرا قال: «خسرتينا»، والأبناء لا يكادون يجدون منه لباساً يواري عوراتهم إلا بصعوبة، ولا طعاماً يملأ أفواههم وأجوافهم إلا بشق الأنفس، والرجل يلبس نعلين مختلفتين، وثوباً رثاً ويظنه الجاهل فقيراً، ويحاسب أولاده على (القطمير) وعلى كل صغيرة وكبيرة، ولما مات كانت تركته بعشرات الملايين، وبدلاً من أن يقول أولاده لبعضهم بعضاً أحسن الله عزانا فيه بدوا يتبادلون التهاني والتبريكات ويبشرون جيرانهم وأقاربهم بموت أبيهم فتحولت لحظات وفاة أبيهم إلى فرح لا يعدله فرح، وإلى فرج لكابوس ثبتهم سنيناً عدداً، وسرعان ما تحول بيت الطين المتهدد ذو الأبواب الخشبية المتشققة إلى فيلة جميلة، وتحولت «الهايلوكس أو الداتسون» التي «تُدف» سبع مرات عند حراكها إلى شبح لكل واحد من الأولاد سيارة جديدة يطربون لها ويتغنون بصوتها، سألهم أحد جيرانهم هل تضحون لأبيكم؟ فقالوا ان أمنا تلعنه ليلاً ونهاراً فأنَّى لنا أن نضحي له، قال: هل جعلتم له من ماله وقفاً؟ قالوا: لا، قال: وهل كان من ماله شيئ من الربا؟ قالوا: لا ندري فعليه الوزر ولنا الغنم، وجاء من ينصحهم للبر بأبيهم والإحسان إليه فما قبلوا بل استطاعوا طولاً. ويبقى السؤال المطروح للأغنياء هل عقلنا جميعا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول كلنا ماله أحب إليه قال: فإن مال وارثه ما أخر وما له ما قدم»، فهذا المال الذي جمع فاوعى واحبه حباً جما، وركض في الرمضاء، وسهر على القمراء، وخطا بخطوات وئيدة يئن من المرض والاعياء والإجهاد ليجمعه قرشاً فوق قرش، وريالاً على ريال هل انتفع منه بشيء؟ أم أنه أصفار خاوية بقيت في البنك! هل تلذذ بشيء من ماله؟ هل هذا المال سيتلذذ به في الدار الآخرة؟ هل بنى بيتاً من بيوت الله تعالى، يبتغي به وجه الله حتى يبني الله له بيتاً في الجنة؟ الجواب: لا، هل بر به أولاده وزوجته حتى يحسنوا إليه؟ الجواب: لا، إذن هو زرع العقوق ولا يجني من الشوك العنب وينبغي لذوي العقل والنباهة من الأغنياء والأثرياء أن يتقوا الله في أولادهم وأموالهم وأن يقدموا لأنفسهم ما تتمتع به في الدنيا وما تكسبه أجراً وافراً عند الله في الآخرة فله الحكم وإليه النشور.
( * ) القاضي بالمحكمة الكبرى في الرياض |