إن كثيراً من حضارات العالم القديم لم تهتم بالأطفال الاهتمام المنشود كفئة اجتماعية مستقلة ويعود ذلك إلى الاختلافات الاجتماعية والثقافية الكبيرة بين مختلف المجتمعات والأقاليم، لوجود بعض المفهومات والممارسات الشعبية السائدة المتخلفة إلى حد كبير. فقد عرفت الأنظمة القديمة الممارسات غير الإنسانية ضد الأطفال، وسنذكر بعضها، على سبيل المثال ما كان يحدث في اسبرطة إذ كان يرمى الأطفال من صخور مرتفعة أو يوضعون عند الولادة في المياه الباردة لامتحان صلابتهم وقوة بنيتهم فان لم تتحمل أجسامهم الضعيفة برودة المياه جاز عدم تربيتهم لكون الحياة لا تليق إلا بالأقوياء القادرين فيما بعد على أن يكونوا محاربين أشداء. ومنها ما كان شائعاً بين الناس من تقييد الأطفال وتغطيسهم في البول لإكسابهم المناعة على الأرواح الشريرة، وسحب ألسنتهم نحو الخارج وضربهم باستمرار، وتهدئتهم بالخمور، وغيرها من المعاملات غير الإنسانية التي كانت تؤدي إلى أضرار جسدية ونفسية بالغة. ومع هذا يجب ألا نتجاهل اهتمام بعض النصوص الغنية عن الأطفال والطفولة مع أنها تناولت الطفل كموضوع سلبي. فكان للفيلسوف اليوناني أفلاطون عدد من النظريات تتعلق بالطفولة وطرق التربية، التي ضمنها كتابه «الجمهورية» والتي دعا فيها إلى ضرورة تدريب الأطفال في سن مبكرة لمعرفة ميولهم وتركيز اتجاهاتهم المهنية، وأكد أن التربية الصحيحة للطفل تبدأ منذ ولادته لضمان وراثة سليمة، وتأمين بناء اجتماعي سليم، ومن خلال هذه النظرية انتهك أفلاطون الحق في حرية تكوين الأسرة عندما نادى بمبدأ شيوعية الأطفال والنساء ووضع أطراً محددة لإنجاب الأطفال، لاتتم إلا باتصال رجال أصحاء بنساء صحيحات تحت إشراف الدولة بهدف توليد جيل نبيل قادر على القيام بالمهمات العظيمة.
فهذا في الواقع تمييز فاضح بين الأطفال وانتهاك لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل، أما خلفه ارسطو فقد خالفه في مبدأ شيوعية النساء والأطفال فعدّ الاجهاض ضرورة لابد منها لتكييف النسل مع حاجة الدولة من السكان وهذا انتهاك آخر لحق الطفل في الحياة، وقد خص المرأة بتربية الأطفال بصفتها أقل ذكاء وادراكاً من الرجل، وخلال العصور الوسطى كانت هناك ممارسات سائدة تقوم على عدة اعتبارات منها ان ملكية الأهل لأطفالهم ملكية مطلقة وكان الأكثر شيوعاً تقديم الأطفال ذبائح وقرابين للآلهة في احتفالات طقوسية دينية وعرض الأطفال المنبوذين أو غير المرغوب فيهم للقتل وهذا يدل على عدم وعي بعض المجتمعات بأهمية الأطفال كفئة اجتماعية مستقلة.
وبدأ ظهور التغيير بين القرنين السادس عشر والثامن عشر عندما بدأ الوعي بضرورة دمج الطفل في حياة الراشدين الاجتماعية وهذا نتيجة لتطور وظائف العائلة نتيجة تطور المجتمعات وظهور التعليم في المدارس. ولكن علماء الاجتماع اجمعوا على ان التحول الايجابي والحقيقي في فهم الطفولة بدأ عند بزوغ فجر القرن الثامن عشر مع ظهور الأفكار والنظريات التي عالجت موضوع تربية الأطفال وكيفية التعامل معهم بأساليب أكثر تطوراً وإنسانية، وأصبح الاهتمام بالأطفال يتزايد إلى يومنا هذا حيث أصبح هناك الكثير من الاتفاقيات الملزمة للكثير من الدول للمحافظة على هذه الفئة الغالية والتي تعدّ في حقيقة الأمر كنزاً وثروة فمن أحسن استغلالها فقد أحسن الاستثمار بحكم ان هؤلاء الأطفال هم من سيشارك في بناء هذا الكون وإعماره في المستقبل القريب.
(*)اللجنة الوطنية السعودية للطفولة ootaibi@moe.gov.sa |