وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مثواها |
هذا ما كان عليه حال الرجل العربي مع جارته بالأمس حتى قبل ان يشرق قلبه بنور الإسلام الذي أقرَّ كثيراً من مكارم الأخلاق التي كانت تميز أمة العرب عن غيرها من الأمم، ولعل خير شاهد على ذلك هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واصفاً حاتم الطائي كان يحب مكارم الأخلاق.كان الرجل العربي يغض طرفه حين تعرض له جارته حياءً عليها... وحفاظاً على حرمة هذا الجوار حتى تتوارى عن عينيه.. فأي قلب كان ينبض بين ضلوع ذلك الرجل وأي دم كان ذلك الدم الذي يجري في عروقه.. اليوم تتعثر ربات الحجال في خطاهن من وقع سياط النظرات الملتهبة والأعين التي لاتغض طرفها بل تتابع تلك الخطى حتى لقد كادت إحداهن ان تقع حياءً من تلك النظرات فتحث الخطى مسرعة علَّ صاحبنا يستحضر عفة أجداده ويستحضر مروءتهم الغائبة ولكن لا طائل فمازالت النظرات ترسل والطرف يمد.. حتى عهد قريب كانت تلك الفضيلة من السمات المميزة لمجتمعنا إذ يشيح الرجل بوجهه عن المرأة حين تعرض له إذ لايرى فيها إلا أخته أو أمه وربما يفسح لها الطريق إكراماً.. أما اليوم فلعل البعض يزاحمها الطريق غير مبال بما يعتريها من خجل وضيق، حتى لكأني بشاعر الأمس لو رآنا اليوم لردد واصفاً حالنا قائلاً: «وأمد طرفي إن بدت لي جارتي»، فما الفارق وما الذي تغير بين الأمس واليوم، هل تلوثت أعماقنا النظيفة، وتغيرت فطرتنا السليمة وانكفأت موازين القيم الصحيحة التي تحكم سلوكنا وتوجه خطانا.. فما الذي تغير؟! وما الذي قاد إلى هذا التغيير..؟! هل أصبحت المروءة فضيلة من الفضائل الغائبة نبكيها على طلل دارس..؟! وهل تراها تؤوب من غيبتها التي طالت.. هل بلغنا هذه الدرجة من الضعف في نفوسنا لا نستطيع معها استحضار مآثرنا النبيلة، أم ترانا نخجل من هذه القيم، هل أصبح الرجل لايرى لشقيقته المرأة حرمة يرعاها لكثرة ما تقع عينه على المرأة في كل شكل من كل لون عبر ما نسميه الفضائيات والتي جعلت عقول بعض شبابنا وربما بعض كهولنا تسبح في الفضاء.. لن نعمم قولنا حتى لايكون فيه زيغ عن الإنصاف إذ لاشك ان بيننا من يعتد بهم من ذوي النفوس الكريمة الذين يستحضرون في وجدانهم دائماً تلك المآثر ويترجمونها واقعاً جميلاً، ويلتصقون بها التصاقاً حميماً، يزرع فينا الثقة بقوة تمسكنا بعقيدتنا، وأصالة معدننا، وكريم محتدنا.
|