يعتبر أخصائي علم الاجتماع ومن يقومون بدراسات عن الشباب أن كلمة «الشباب» كلمة اشكالية لعدة اعتبارات أهمها، هل نعتبرهم فئة عمرية أم شريحة اجتماعية؟ أم هي حالة نفسية؟ أم هي طباع وطريقة في التفكير والسلوك؟
كما يعتبر بعض علماء النفس والاجتماع والباحثين في الدراسات الاجتماعية والنفسية والتربوية أن كلمة «شباب» ذاع صيتها في مجالات الخطاب السياسي ووسائل الإعلام، واكتسبت من وراء تعدد الاستخدامات أوضاعاً أدت في أوقات كثيرة إلى لبس في المعنى، وغموض في المقصد.
وهناك الكثير من المبادرات العلمية في دراسة قضايا الشباب سواء كانت ميدانية استطلاعية أم تحليلية نقدية.
فالمجتمعات المتقدمة أيقنت أهمية الشباب كفاعل اجتماعي له دور كبير في عمليات التغيير داخل المجتمع ولذلك استحوذ الشباب وما يتعلق بهم من دراسات فيما يمكن تسميته «بسوسيولوجيا الشباب» على ما يستحق من اهتمام في كثير من الدول المتحضرة، فأنشئت لهم مراكز ومجموعات للبحث المتخصص لكل ما يتعلق بهم من قضايا، ومن أشهر الدول التي تهتم بالشباب وبشكل مكثف «فرنسا» فلقد أنشأت مجموعة «الشباب والمجتمعات» التي تكونت في فرنسا أواخر الثمانينيات، وتضم باحثين أغلبهم من علماء الاجتماع يقومون بشكل متواصل وينكبون على دراسة الشباب وكل ما يتعلق بهم من قضايا، ومن أوجه متنوعة وبمقاربات متعددة الاختصاصات، فهي لا تقدم وصفات جاهزة، بقدر ما تسعى إلى مقارنة أهم الجوانب المفهومية من وجهة نظر سوسيولوجية ولذلك تركز على ثلاثة مفاهيم أساسية هي «البلوغ - المراهقة - الجيل» لأن أول سؤال يطرحه عالم الاجتماع في هذا المجال، هو ما هو الشباب؟ كيف نعرفه؟ متى يبدأ ومتى ينتهي؟ ولكن نحن لسنا بصدد تعريف الشباب هنا، بل نريد طرح احدى القضايا الساخنة والهامة التي يواجهها الشباب فمشكلة «البطالة» إحدى أهم المشكلات التي تواجه الشباب في العالم، فالبطالة مشكلة عالمية تعاني منها معظم دول العالم ولكن إذا نظرنا للغرب فنجد أن الشباب لديه الكثير من الايجابيات في التعامل مع مشكلات البطالة للتغلب عليها، فيقوم الشباب في الغرب بمزاولة أي مهنة متاحة، لكسب الرزق والتعود على الالتزام بالعمل والمواظبة إلى حين توظيفه في مجال تخصصه، فقد يعمل جامعيون في سوبر ماركت أو في محطات البنزين أوفي كافتيريا أو في محلات للبيع، أو سائقي تاكسي وسيارات أجرة، فأياً كان نوع العمل فهو شيء مقدس بالفعل لديهم ولا يجدون حرجاً في ذلك وهذه من مميزاتهم التي لا بد أن نعترف بها، فهم يخجلون من بطالتهم لا من مزاولة أي عمل مهما كان متواضعاً فالشاب يعتمد على نفسه في كسب المال وتوفير مصروفه الشخصي واليومي حتى إن كان مازال طالباً ويدرس، ومن النادر أن نجد شباباً تجاوزوا الثامنة عشرة من العمر في الغرب ومازالوا يأخذون مصروفهم الشخصي من والديهم، والسبب هو اعتبارهم نضجوا بما فيه الكفاية للاعتماد على النفس والتعود على ممارسة أي مهنة مهما كانت بسيطة، لكسب الرزق، فينشأ الشاب مقدراً للمسؤولية، ومقدساً للعمل ويعرف قيمة الأشياء، فترك متسع من وقت الفراغ أمام الشاب أمر ضار له، نفسياً ومعنوياً في المقام الأول.وفي الواقع هناك بعض الايجابيات في الغرب يمكن أن نحذو حذوها، مع التقيد دائماً بمرجعيتنا الدينية فعلى سبيل المثال، نوعية العمل الذي يجب أن نمارسه لا عيب إن كان بسيطاً ومتواضعاً لكن العيب ألا يكون شريفاً ولا مناسباً لقيمنا، فكما ذكرت سابقاً هناك مرجعية دينية تحكم كل أمور حياتنا، لأن الإسلام منظومة ومنهج متكامل في الدين والحياة ولم يترك ثغرة للتخبطات أو للتكهنات.
فعلينا دائماً أخذ الايجابيات وكل ما يناسبنا من الغرب وترك مالا يلائمنا، وعلى الشباب التيقظ دائماً وتبين الأسود من الأبيض، حتى لا نرى البعض وقد أصيب بعمى ألوان فكري فلم يتبين الأسود من الأبيض فلم يستطع التمييز بين «المحرمات والمحذورات»، وبين «المباح والمستحب».
فمن المحزن أن نرى هذه الأعداد الكبيرة من الشباب يتسكعون في الشوارع والأسواق «لا شغلة ولا مشغلة» والبعض يتسلى بمضايقة الفتيات والنساء حتى من هن في عمر أمهاتهم ومن هن أكبر سناً من أمهاتهم.هناك سؤال يطرح نفسه لأصحاب الشهادات والتخصصات الذين لم يأت تعيينهم بعد، هل ستظلون بلا عمل لشهور وقد يطول الأمر..؟ ما المشكلة في مزاولة أي عمل يتاح أمامكم بشكل مؤقت حتى إن كان بسيطاً عوضاً عن الانتظار بلا عمل، وفي فراغ قاتل؟ لماذا لا تعتبرونه تدريباً لكم على المواظبة والالتزام؟ وفي نفس الوقت هناك مقابل مادي وإن كان متواضعاً بعض الشيء فتلك أمور مؤقتة فقط وتكسب الفرد خبرة في الحياة ومهما كان العائد متواضعاً فهو أفضل من عدمه، عليكم أن تبدو بعض المرونة في الحياة، لأن الظروف والحياة تتغير والحال لا يدوم فقد تحل بعض المشكلات وقد تزداد تعقيداً، لا بد أن يكون الشباب صلباً ومهيأً لمواجهة العقبات والصعاب في الحياة حتى يستطيع تجاوزها.
فالفراغ الذي يعيشه بعض الشباب يتيح كل الفرص لأهل السوء للاقتراب منهم وتحطيم طموحاتهم وأحلامهم بل والقضاء على مستقبلهم.
إن الثقافة العربية الإسلامية هي هويتنا ومرجعيتنا الحقيقية الصالحة دائماً لكل زمان ومكان، وهي كفيلة بطرح الحلول المنطقية لجميع المشكلات وتذليل كافة العقبات، ففيما يتعلق بمشكلات العمل والبطالة ثقافتنا الإسلامية تبث فينا حب العمل، لكف النفس عن المسألة والعمل على رفعة المجتمع، فثقافتنا ليست ثقافة الأنا، بل هي ثقافة تقوم على الأنا والآخر.
فالعمل لا يقتصر على العمل للآخرة فقط بل العمل للدنيا مطلوب كذلك.. قال تعالى: {$ّقٍلٌ \عًمّلٍوا فّسّيّرّى پلَّهٍ عّمّلّكٍمً $ّرّسٍولٍهٍ $ّالًمٍؤًمٌنٍونّ}.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بالعمل باستمرار، «فالعمل عبادة» أياً كان نوع العمل ما دام عملاً شريفاً يحبه الله ويرضاه، ففي صحيح البخاري عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرشد أصحابه فيقول: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب فيبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».فبدون العمل والانجاز لن يكون هناك استثمار للطاقات البشرية ولن يكون هناك انتاج وعائد ايجابي للفرد ولا للمجتمع، فالمطلوب العمل وبذل الجهد في كل المجالات فمن خلال السعي الجاد والعمل الدؤوب والاخلاص في العمل، تحقق أحلام وطموحات المرء، وليعلم الشباب أن عليهم أن يستغلوا كل فرصة تتاح أمامهم للعمل والانجاز حتى إن لم تكن على مستوى طموحاتهم الشخصية في الوقت الحاضر، فمشوار الألف ميل يبدأ دائماً بخطوة..
|