شاء الله أن أقابله وألتقيه.. فاذا الكآبة تعلو محياه، والحزن يطفو سحائب على عينيه..
سألته من انت؟ فوجهك مألوف لدي..
أجابني بدمعة سكبها: انا التاريخ، تاريخ امتك الجريحة ومجدها التليد..
قلت وقد دهشت من مرآه: مابك؟ وأي حزن تعانيه؟
واي وجه وجهك؟!
اين ابتسامتك؟ اين إشراقتك، اين.. وفين؟!
قال بصوت يملؤه الحزن: سألتني فلابد ان أجيب
اخذ بيدي، وفي طائرة الماضي، حجز لي مقعدا، وحلقت بنا الطائرة تاركة وراءها يومي وغدي لتصل الى زمان غير زماني، وعصر غير عصري..
فرأيت في ذلك العصر وجوهاً نيرة وضاءة، وقلوباً يعمرها الايمان. وعقولاً يسيرها الاسلام في كل خطوات الحياة.
ولك ان تتخيل حياة سيرها الإسلام. فكأنما هي وردة متفتحة داعبتها قطرات الندى
في صباح جميل..
نعم، لقد رأيت الاسلام كائناً يمشي على الارض، رأيت فتوحات امتي وعزها ومجدها.. يوم ان كانت تتربع على عرش البساطة.. وتسير حياة الناس وفق الفطرة الالهية.. والمنهج الرباني، رأيت رجالاً ولكن غير رجال عصري.. وشباباً غير شباب جيلي، ونساء غير نساء زماني.. رأيت أقواماً لم يكن فيهم من يضلل شعبه ويخون امته، ولم ار فيهم من يحارب دين ربه وشرعه، ولم ار فيهم من يلهث وراء المال ليشبع رغباته، ولم ار من خلعت جلباب الحياء، ومزقت خمار الفضيلة.. لتمضي في درب الدنس والرذيلة، ما رأيت الا عصراً تتدفق اخلاقه من نبع الاسلام الصافي لتنبت ذاك النبات الطيب الحسن الذي ينمو ويترعرع ليصبح واحة غناء يتفيأ الناس بظلالها..
غرقت بعدها في دوامة كبيرة من الافكار مقارناً بين ماضي امتي المشرق،
وحاضرها المحاصر بالظلام، ولم يخرجني من تلك الدوامة الا صوت صاحبي «التاريخ»
عندما قال: لقد حان موعد رحيلك الى عصرك وزمانك فهل عرفت الآن سبب حزني وكآبتي؟!
فأطرقت صامتاً، ثم عانقته طويلاً وودعته والدموع رقراقة في عيني.. وقلبي منفطر لحال امتي..
كم تاقت نفسي ان ارى احلامنا واقعا نعيشه، فتكون لنا الظل الوارف في حماة غربة الدين، ومعيناً نرتشف منه.. ولكن تظل تلك امان نتمناها حالت بيننا وبينها اياد عبثت بكرامة الانسان لتخرجه من انسانيته، وتدنس مروءته وتحيله الى هيكل فارغ.. إلا من الآلام والاكدار..
|