Friday 22nd November,200211012العددالجمعة 17 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الفقر ليس آخر الشرور!! الفقر ليس آخر الشرور!!

قد تكون أبرز توصية خرجت بها الندوة التي عقدتها صحيفة «الجزيرة» عن البطالة والجريمة، تلك المتعلقة ب«تلمس احتياجات المواطن وتوفير الحد الأدنى من أسباب العيش الكريم والاهتمام بأصحاب الدخول المحدودة والمتدنية»(*).
مما يلقي أهمية على هذه النتيجة أن أقطاب الندوة ليسوا من غير ذوي الاختصاص، بل هم يضمون دكاترة في الاقتصاد وفي العلوم الأمنية وحاملي ماجستير في علوم الجريمة، وفي التعليم العالي، وجميعهم مسؤولون، على رأس العمل، وفي أدق المواقع القيادية. فقد ورد في صلب النقاش عن متطلبات الأمن أن «كل الدراسات والبحوث أكدت على أن الفقر يعتبر سبباً رئيساً لوجود الجريمة وانتشارها».
المنتدون لا يتحدثون، طبعاً، عن نظريات مجردة، بل عن واقعنا نحن، في مجتمعنا هذا، في هذه المرحلة من تاريخنا، التي تقاطعت فيها مسيرة التنمية مع مستجدات وتطورات محلية وعالمية، تمثلت في انخفاض موارد البلاد ونموّ سكاني متصاعد وانقلاب استهلاكي مجتمعي وعجز مالي وعجز في التعليم العالي وبطالة متزايدة وعمالة وافدة مكثفة، تحوِّل نزيفاً من الدخل القومي العام إلى الخارج، وبرامج وطنية للسعودة، وتوطين الوظائف، وتوجّس من دخولنا عصر العولمة. إذا عدنا للتوصيات، نجد إحداها تؤكد على «إيجاد إحصاءات دقيقة، لكي تعالج المشاكل بحلول ذات مصداقية»، فبدون الإحصاءات لا يمكن وضع البرامج، وبدون البرامج لا يمكن حل المشاكل، التي تكبر وتتفاقم وتولد مشاكل أخرى أكبر وبؤراً عميقة صالحة لنمو وانتشار شرور اجتماعية من كل نوع، مما يشكل بيئة متأصلة شاملة من عدم الأمن، والله أعلم بمدى نتائجها وأخطارها، كفانا الله شرها وجنب مجتمعنا كل مكروه.
وإذا كان العلاج المطلوب لا يقتصر على الدخول المتدنية، بل يشمل، أيضاً الدخول المحدودة، فإن التوصية الخاصة بذلك لا تكتفي بالتأكيد على تأمين حد أدنى للدخل، ينتشل قطاعاً بشرياً كبيراً من هوة الفقر، بل إنها تلقي بنظر بعيد، إلى صميم المشكلة، فأصحاب الدخل المحدود يعيشون في أزمة وكأنهم يتمسكون بخيوط واهية، وهم يصارعون ضد التيار، الذي يجرفهم دائماً نحو هوة الفقر. لم يرد في الندوة ذكر لمن ليس له دخل، أصلاً ممن يتدبر أموره بالصدقات والتبرعات، إن وجدت، أما ذوو الدخول المتدنية، فيضمون مشمولي الضمان الاجتماعي والرواتب التقاعدية الضئيلة، اذو وارثيهم من أيتام وأرامل، كما يضم، إلى أولئك العجزة والمطلقات وأطفالهن، سواء ممن يتلقى نفقة رمزية، أو ممن هي مقطوعة، قسراً، عنهم، كما أن مما لم يتطرق إليه في تلك المناقشة، أن أوضاعاً اجتماعية كهذه، يمكن أن ينتج عنها سلبيات محذورة، كالرشوة والفساد فإذا أخذنا في الحساب طبيعة المجتمع الاستهلاكي، الحارق للدخول المحدودة، نجد أن الطبقة المتوسطة، التي هي ركيزة المجتمع، تأخذ في التآكل، في توسع دائم لقاعدة الفقر. والله من وراء القصد.

عبدالله الهاشم
(*) «الجزيرة» 2/8/1423هـ.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved