حوار : المحرر التشكيلي
الفنان الدكتور محمد الرصيص اسم بارز في الساحة التشكيلية ممارسة تقنية عبر اللوحة او عملا اكاديميا كعضو في هيئة التدريس بقسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود والذي سبق له رئاسة القسم فهو فنان مخضرم عاش وعايش الحركة التشكيلية وساهم في وضع خطواتها الاولى حضورا فاعلا وتواجدا علميا بما يقوم به من محاضرات ويشارك به في الندوات محليا وعربيا ودوليا اضافة الى اعتباره الشاهد الأقرب على تطور الحركة التشكيلية منذ انطلاقتها الأولى من معهد التربية الفنية وصولا الى ماهي عليه.. يمتلك ثقافة عالية متعمقة في تاريخ الفن وما طرأ على الفن العالمي من تحولات انعكست على ابداعه في اللوحة دون الانفصال عن واقعه وتراثه وبيئته الا ان له فلسفة خاصة في الأداء قدمها عبر مراحل ثلاث سوف يطلع عليها الجمهور في معرضه القادم المقام في مركز الملك عبد العزيز التاريخي المزمع افتتاحه يوم الاربعاء من الاسبوع القادم ويستمر حتى الخامس من ذي القعدة ويسعدنا ان نلتقيه عبر هذا اللقاء الموجز مقارنة مع ما نعرفه عنه من سعة في الخبرات والتجارب التي لا تتسع المساحة للطرق لها.
* الفنان الدكتور محمد الرصيص وأنت تستعد لمعرضك الاستعادي هناك ما يدفعنا للبحث عن اجابة حول الهدف من اقامته وعن المراحل التي يضمها المعرض والفترات الزمنية؟
- يمكن القول بأن هذا المعرض كمثله من المعارض الاستعادية يهدف بصفة مباشرة الى :
1- تعزيز التواصل الفكري والفني بين الفنان والجمهور المتابع له منذ البدايات الأولى.
2- ايجاد جسور جديدة من هذا التواصل بين الفنان وجمهور جديد من المتابعين والفنانين الناشئين.
3- عرض مجموعة متنوعة من التجارب الفنية تحت سقف واحد وفي زمن واحد.
4- تقديم المعلومات المعرفية اللازمة عن الفنان من ناحية، وبعض القراءات والآراء حول تجربته من ناحية أخرى.
ونظرا لأنني أسعى من خلال هذا المعرض لتحقيق عمل خيري يتمثل في التبرع بما نسبته 25% من العائدات لصالح انتفاضة القدس، فإن ذلك يندرج ضمن اهداف عامةاخرى هي:
1- المساهمة في استمرار نشر الرسالة السامية للفن المتضمنة التصاق الفنان بمجتمعه وتفاعله مع ما يمر به من احداث.
2- المساهمة في استمرار دور الافراد في دعم قضاياهم المصيرية، وهنا يأتي الدعم من المقتني والفنان والجهة المنظمة.
3- المساهمة في استمرار نمو التذوق الفني في المجتمع بصفة عامة، ولدى محبي ومقتني الفنون بصفة خاصة، وتشجيع نشر واستثمار الاعمال الفنية.
4- المساهمة في استمرار تشجيع الفنان معنويا وماديا ليواصل اداء خدمة أسرته ومجتمعه وفنه على نحو أفضل.
اما المراحل التي مررت بها ويوجد نماذج منها في المعرض فهي الواقعية، والتكعيبية، والتجريدية، وذلك خلال فترة خمسة عشر عاما من 1392 - 1406هـ.
* دكتور محمد.. تعتبر الأقرب في رصد مسيرة الفن التشكيلي السعودي منذ ان كنت عضوا في هيئة التدريس بمعهد التربية الفنية منذ تأسيسه ثم عضوا في هيئة التدريس بقسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود بدرجة الدكتوراه. كيف ترى واقع هذا الفن وفنانيه وماذا ينقص الحركة التشكيلية حالياً؟
- واقع الفن التشكيلي في المملكة بصفة عامة يسير من حسن الى احسن وان شابته بعض العثرات الفكرية والتنظيمية بصفة فردية او جماعية او مؤسساتية من فترة لاخرى، والفنانون طرف مهم في هذا الواقع المعاش.
ولكنني هنا احب التأكيد أن هذا السير الحسن يمر بصعوبات ومعوقات كثيرة بسبب فقدان اساسيات ومقومات الحركة الفنية الحقة، مما يجعله سيرا فريدا من نوعه ومحط اعجاب واستغراب في ذات الوقت من الآخرين خارج الحدود. وما ينقص «الحركة التشكيلية» حاليا اشياء كثيرة اهمها تلك الأساسيات والمقومات التي سبق لي ولغيري الحديث والكتابة عنها - ومنها بإيجاز:
- إنشاء كلية - او كليات - للفنون الجميلة.
- إنشاء متحف - او متاحف - للفنون التشكيلية.
- إنشاء جمعية مستقلة للفن التشكيلي.
- إنشاء جمعية مستقلة لفن التشكيلي.
- إنشاء مزيد من صالات العرض الفنية الحكومية والخاصة.
- إصدار مجلة - او مجلات - فنية تشكيلية متخصصة ومنتظمة في الصدور.
- ايجاد نظام لتفرغ الفنان.
- تفعيل نظام حقوق الفنان الوارد ضمن نظام حقوق المؤلف الصادر بمرسوم ملكي عام 1410هـ.
- زيادة نطاق عملية اقتناء الاعمال الفنية من قبل المؤسسات المعنية والأفراد.
* مررتم خلال تجاربكم وخبراتكم التشكيلية بمدارس وأساليب تميزتم بها، فكيف كانت معالجتكم فيها للتراث والبيئة المحلية؟
- الحياة الشعبية والعمارة الطينية التقليدية في المملكة مصدران كبيران استلهمت منهما مواضيع لأعمال كثيرة. ففي المرحلة الواقعية «1386 - 1395هـ»، عالجت العناصر المرسومة بوضوح كما اعرفها ظاهريا، وكما يفهمها المتلقي عن بيئته، ثم تحررت قليلا في الشكل واللون والنسب لخدمة التكوين الفني العام. وفي المرحلة التكعيبية «المبسطة» «1396 - 1400هـ»، تحولت العناصر المرسومة الى مساحات هندسية متنوعة الى جانب الأرضية والخلفية، واصبح ذلك «الوضوح» اقل مما سبق وأقل تقبلا من المتلقي العادي. وفي المرحلة التجريدية «1400 - 1406هـ»، كان التركيز على العمارة التقليدية التي مررت منها الى فهم واستيعاب التجريد الحديث من خلال ثلاث مراحل فنية هي:
1- الشكل المعماري، ويبدو فيها شكل البيت واضحاً بأصله الجوهري المربع او المستطيل مع زخارفه في صياغة مبسطة مع تحرر كامل في اللون.
2- العنصر المعماري، وفيها تم التركيز على عنصر واحد او اكثر من عناصر العمارة ليكون مركزا لشد الانتباه مع بعض الاندماج بينه وبين الخلفية والتحرر اللوني.
3- التكوين المعماري، وهي المرحلة التي اندمج فيها الشكل والعنصر معا ليشكلا مساحات وخطوطاً متنوعة في الحجم والخط واللون والمعالجة التقنية للسطح، كما انصهرت الأرضية والخلفية مع تلك المساحات لتشكل عملا واحدا في تكوين واحد.
* أصبح مستوى وعي الجمهور في حال افضل مما كان عليه في بداية تواجدكم على الساحة، باعتباركم احد روادها ماذا يجب ان يكون عليه الفنانون الآن مقابل هذا الرقي في التلقي؟
- إذا كان هناك تحسن افضل في مستوى وعي الجمهور نحو تذوق الفنون التشكيلية، فهذا يعني ان هناك ازدياداً في عدد المعارض الفنية وبالتالي في عدد الاعمال الفنية المعروضة وارتفاع في نوعيتها اي قيمتها الفنية.
وهذان الشيئان «الكم والكيف»، هما من الشروط الواجب توفرها لرقي التذوق الفني، وهما ايضا من الأدوار او المسؤوليات الملقاة على عاتق الفنانين كحالة طبيعية في ممارسة العملية الابداعية. أما «ما يجب» ان يكون عليه الفنانون فهو: المواظبة على التثقيف الذاتي، والتواصل مع الجمهور بالطرق المتاحة، والمساهمة في النشاطات الفنية الثقافية، ونشر اعمالهم بطرق متنوعة، وعدم المبالغة في اسعار اعمالهم.
* الأكزوتزم هي الشغف بكل جديد وغريب ووافد وهي صفة جيدة عند توخي الحذر من الوقوع في الخطأ عند التقليد دون وعي ومنها الفنون الحديثة، كيف يرى الدكتور محمد الرصيص توجه غالبية الفنانين للتبعية دون معرفة ابعاد نتائجها وما هي في نظركم الخطوات التي يجب ان تسبق مثل هذا التوجه؟
- اسمح لي ان أصحح قليلا، كلمة «إكزوتزم exotism»، تعني: المجلوبية - كون الشيء مجلوبا او دخيلا. شيء مجلوب او دخيل او غريب «من قاموس المورد للبعلبكي». ونحن في الواقع لم نجلب بإرادتنا فنون الغرب الحديثة لكي نتقمصها كما هي، او نسبغ عليها شيئاً من ثقافتنا، انما الذي حدث هو مد وتأثير حضاري شامل من الغرب للشرق تدريجيا من عصر النهضة الاوروبي في القرن الخامس عشر الميلادي، وتصاعديا منذ حملة نابليون على مصر في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وحتى الآن. وهذا التأثير الحضاري يشمل الفكر الفني الممنهج بنظريات وفلسات واساليب متنوعة اصبحت من القوة بأن تؤثر بالفنانين في مجتمعات خارج حدودها، ومنها المجتمع العربي. وكما ان العلم للجميع، فان هذا الفكر الفني للجميع ايضا ولكن بعد معرفة ما يتناسب منه مع ثقافتنا وقيمنا الدينية اولا. وبعد ذلك، لابد من معرفة بعض الحقائق عن هذا الفكر بأنه ظهر في مجتمع اوروبي او امريكي معين، وفي زمن معين، وبدوافع فنية وفكرية معينة، وفي ظل ظروف او مثيرات او مسببات اجتماعية وثقافية وسياسية معينة. وهذا يعني ان الفنان «المتأثر» بأي اتجاه من هذا الفكر يفترض ان يمر بعملية فهم واستيعاب جيدين للمضامين الفكرية والفنية والتقنية المطروحة من هذا الاتجاه، ثم الاطلاع الجيد على نتائج تلك المضامين، وما كتب عنها من قراءات تحليلية ونقدية. وفي مرحلة لاحقة من التفاعل المركب مع ثقافة الفنان، سوف يظهر تأثره تدريجيا حاملا معه بعضا من صفات «المؤثر» في صيغة تتسم بالنضج وعمق التجربة.
* يقال: ان العناصر حينما تغادر الواقع وتدخل اللوحة تصبح فعلا جديدا ومغايرا. كيف لنا ان نقنع المتلقي بالعمل الفني على رغم اختلافه عمَّا تعود عليه؟
- نقنع هذا المتلقي بأن يساعد نفسه اولا ويساعدنا نحن الفنانين، عن طريق قراءة جزء يسير من تاريخ الفن وتطور الفكر الفني منذ المدرسة الواقعية في منتصف القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين.
وهناك مؤلفات موجزة عن ذلك تفي بالغرض المطلوب اذا كان يود ان يكون متلقيا حقيقيا، ثم يأتي دورنا في ايضاح الغموض عما قرأ.
* هذه المسيرة الطويلة ابداعا ودراسة حتى درجة الدكتوراه، ماذا تنتظر من المتلقي لأعمالك وما الذي تنوي القيام به بعد استعادة تلك المراحل؟
- انتظر من المتلقي لأعمالي ان يكون لديه الشعور القوي بحرية الرأي الموضوعي في الاعجاب او عدمه او ما بينهما مع ذكر الأسباب اذا كان قادرا على ذلك. كما انتظر منه القيام بزيارة هذا المعرض، او قراءة الكتاب الصادر بهذه المناسبة، او حضور الأمسية الثقافية المقامة ضمن الفعاليات، او قراءة ما سوف يكتب عن المعرض في الصحافة المحلية، او التواصل عبر الهاتف وشبكة المعلومات، وما يدريك لعلي أجد متلقياً يقوم بهذه الاشياء جميعا.اما ما أنوي القيام به مستقبلا فهو التفرغ للانتاج الفني والكتابة الفنية، ولكن بعد التغلب على بعض المعوقات الخاصة.
|