Tuesday 31th December,200211051العددالثلاثاء 27 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

«الأمبراطور» القديم في ثياب جديدة؟ «الأمبراطور» القديم في ثياب جديدة؟
أنور عبدالمجيد الجبرتي

يذكر (توماس فريدمان) انه زار (طهران) في سبتمبر من عام 1996م ولاحظ ان هناك إختلافا طفيفاً ولكنه مثيرٌ للانتباه، وباعثاً على التأمل في شعارات الشارع الإيراني، المعادي للولايات المتحدة الأمريكية.
* بدأ الإيرانيون يقذفون أميركا باسم جديد، مختلف عن «الشيطان الكبير» أو «حصن الإمبريالية والصهيونية». والاسم، أو الشتيمة الجديدة التي لفتت أنظار فريدمان هو «قاعدة الغطرسة الكونية».
* ويعتقد فريدمان ان من المثير حقا ان يعرف، الشارع الإيراني الفرق بين «الغطرسة الكونية» و«الإمبريالية».
* ف«الامبريالية» عِنْدَهُ، هي ان تحتل أرض الآخرين، عسكريا، وتفرض نفسَك، وطريقتَك عليهم، أما «الغطرسة الكونيَّة» فتتحقق عندما تكون هيبتك، ومكانتك الاقتصادية والثقافية من القْوَّة والإنتشار الواسع، بحيث لا تحتاج إلى مهاجمة الشعوب الأخرى لكي تتمكن من التأثير عليها.
* ان من المُزعج للآخرين، وفقاً لنظرية (توماس فريدمان)، ان أميركا لا تبعث بقواتها العسكرية إلى كل مكان، ولكنها ترسل ثقافتها، وأخلاقها، وقِيمها، واقتصادها، وتقنيتها، وأنماط حياتها، رغماً على الآخرين، وحتى رغْماً على نفسها.
* أميركا، هنا وفي هذا الزمان، امبراطورية كَوْنية مختلفة عن غيرها من الأمبراطوريات التي عرفها التاريخ.
* سوف تخضع الآنسة أو السيدة الجميلة التي نُسميها، الكرة الأرضية، ل«الفحْل» الأميركي ب«الحديث الناعم» ورُبمَّا ببعض «الدراهم»، ولكن ليس، عُنوةً، أو اغتصَابا، أو إكْراها.
* «الفحلْ»، لديه من الجاذبية والعُنفوان، والعيون الأخاذة، و«المفردات» المؤثرة، ما يغنيه عن السيف، والخنجر، والمنجنيق.
* من ذا الذي يحتاج إلى البارجة، والدبابة، وحاملة الطائرات، والقاذفات، ومئات الآلاف من الجنود؟
* «عندما» تنهمر، «الكوكا كولا» أو «البيبسي كولا» على كل شَفة، وينطحن «البورجر» تحت كل ضِرْس، ويستعرض «ميكي ماوس» و«مايكل جونسون» على كل شاشة، وتجتاح «هوليود» و«C.N.N» كل إعلام، ويلتف «جينز» حوْل كل رِدْف، وتُتوَّج «هارفارد»، ومن في حكمها على كل تعليم، وتطقطق «العلكة الأميركية، في كل ثغر، وتبتلع «وول ستريت» كل سُوق، وتجتاح منظمة التجارة العالمية كل الحدود، فمن هو المغفل، الذي يلجأ إلى الأساليب الاستعمارية القديمة، والصَّلفة، والبلهاء، لإخضاع الآخرين والسيطرة عليهم؟
* ولكن اذا كان الأمرُ، كذلك، فما هذا الذي نسمعه، ونشاهده من جموع عسكرية، حاشدة، تتحرك هنا، وهناك؟ وعن خطاب استعماري تقليدي قديم، ظننَّا، واعتقد(توماس فريدمان) انه قد تم دفنُه تحت أكوام من «البورجر» الأميركي اللذيذ؟
* ربَّما لأن هناك اميركيون مؤثرون في القرار، يعتقدون، كما يقول المؤرخ الأميركي رونالد ستيل، بأن «مؤسساتنا يجب ان تُحيل «مؤسسات الآخرين إلى رماد التاريخ، وان نظامنا الاقتصادي، سيحثو تُراب القُبور على كل أنماط الإنتاج، والتوزيع خالقا ثروات عظيمة وأنقاض هائلة، وان رسالتنا الثقافية يجب ان تنتشر من خلال (هوليود) و(ماكدونالدز)، في انحاء العالم، لتأسر الآخرين وتهز مجتمعاتهم. فنحن لسنا كالغزاة التقليديين، إذ لن نكتفي بإخضاع الآخرين، ولكننا سنصمم على جعلهم مثلنا (وهذا في صالحهم، طبعاً). يجب على العالم ان يكون رأسماليا وديموقراطيا وعلى طريقتنا.
* او ربما لأن «عواجيز» صنع القرار الأميركي، في عجلةٍ من أمرهم وعلى ثقة من حكمتهم وتفوقهم، ونموذجيتهم، فلا وقت لديهم يضيعونه، أو ينتظرونه، حتى يكتمل «البدر» الأميركي، ويظهر، لِيُضيء ظلام العالمين.
* أو ربما لأن «المجد الأمبراطوري» لا يكتمل حتى تُطلق قذائف، وترسل بوارج، وتُنفح أبواق، ولا بد في نهاية الأمر من دبلوماسي أعرج، يرتدي نظارة سميكة ذات حبْل يصعد إلى سفينة عسكرية، ويوقع وثيقة استسلام أمام (ماك آرْثر) جديد.
* أو لعلَّّه حقا «الأمبراطور القديم»، ذاته، ولكن في ثياب جديدة، رغم أنف (توماس فريدمان)، وكل «الحديث الناعم».

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved