Tuesday 31th December,200211051العددالثلاثاء 27 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أربعة مليارات سنة ليفقد نصف قدرته الإشعاعية أربعة مليارات سنة ليفقد نصف قدرته الإشعاعية
اليورانيوم المستنفد سلاح دمار شامل أمريكي

* البصرة - سكوت باترسون (*) :
تتجمع الدبابات المدمرة في صحراء جنوب العراق فيما يشبه معرضا في الهواء الطلق لحرب الخليج الثانية عام 1991 ولكن هذه الدبابات ليست جزءاً من متحف لكنها نذير من مستقبل مضطرب يتجه الجميع إليه فهذه المنطقة الصحراوية مازالت تعاني من وجود إشعاعات ضارة بها نتيجة المعارك التي دارت عليها أثناء تلك الحرب ومازال الكثيرون من العراقيين بل والجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية يعانون من مشكلات صحية حادة بسبب تلك الاشعاعات التي تعرضوا لها وقد ظهر بالفعل مرض غريب أصاب هؤلاء الجنود أصبح يحمل اسم مرض أعراض حرب الخليج.وفي الوقت الذي تستعد فيه القوات الأمريكية لخوض حرب ثانية في العراق يؤكدالمحللون أن المخاوف الشعبية والتحذيرات المعلنة من مخاطر استخدام اليورانيوم المستنفد الذي تم استخدامه للمرة الأولى من جانب القوات الأمريكية في حرب الخليج الماضية وفي كوسوفو وأفغانستان فيما بعد لن تثني وزارة الدفاع الأمريكية عن عزمها استخدام «طلقاتها الفضية» التي تحتوى على هذا النوع من اليورانيوم.
وستنشر القوات الأمريكية اليورانيوم المستنفد مرة أخرى في العراق باعتباره أحد الأسلحة الفعالة في الترسانة الأمريكية وأقوى سلاح تقليدي مضاد للدبابات.ويبدو أن الحرب ضد العراق أصبحت اكثر قربا بعد تلميحات البيت الأبيض بأن قرار الحرب سيصدر في أواخر يناير.
ولكن هذه الصحراء الجرداء السوداء في جنوب العراق والتي تقع على الحدود الشمالية لكل من الكويت والمملكة العربية السعودية تقدم نافذة كبيرة على تأثير هذا اليورانيوم المستنفد على البشر والمواد الكيماوية والدخان الناجم عن حرق حقول البترول بعد 12 عاما من انتشاره في هذه المنطقة وتقول قلة من المحللين إن الحرب القادمة قد لا يكون لها تأثير ضار كبير إذا ما كانت مقاومة المدرعات العراقية اقل مما كانت عليه في الحرب الماضية ولكن المحلل الاستراتيجي روبرت هيوسون محرر الأسلحة الجوية في مجلة «جينز» المتخصصة في الشؤون الدفاعية بلندن يقول إنه لا أحد يمكنه أن يعرف ما حدث بعد توقف القتال وسيقول هؤلاء الذين استخدموا اليورانيوم المستنفد انهم كانوا يمتلكون هذا السلاح وأنهم لن يذهبوا إلى القتال بدونه لأن الدافع الأساسي دائما هو انجاز المهمة المطلوبة.
يتم الحصول على اليورانيوم المستنفد من مخلفات المفاعلات النووية التي تنتج الأسلحة والوقود النووي وقد استخدمت القوات الأمريكية 320 طنا من هذا اليورانيوم لتدمير أربعة آلاف دبابة وعربة مدرعة عراقية عام 1991 وتحقيق انتصار سهل على القوات العراقية والحقيقة أن قذيفة اليورانيوم المستنفد عندما تصيب الدبابة وتشعل فيها النيران تتولد جسيمات مؤينة يمكن لعداد جايجر الذي يمكنه قياس عدد الجسيمات المؤينة رصدها هذه الجسيمات تلتصق بالدبابة وبالتربة الموجودة فيها وبالهواء المحيط أيضا وهي جسيمات مشعة ويحتاج اليورانيوم المستنفد إلى أربعة مليارات ونصف المليار سنة حتى يفقد نصف قدرته الإشعاعية فقط.
وقد نام اثنان من رعاة الأغنام في هذه الصحراء العراقية على الأرض في حين كانت أغنامهم ترعى في العشب الذي نما حول إحدى الدبابات التي تم ضربها بقذيفة يورانيوم مستنفد أثناء حرب الخليج دون أن يدركا الخطر الذي يعرضان نفسيهما له فمثل هذه الدبابات التي تم ضربها بهذه القذائف قامت الولايات المتحدة بتجميعها في وقتها ودفنها في مدافن خاصة باحدى الدول الخليجية أو في مدافن المواد ذات المستوى الإشعاعي المنخفض في الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه اكد متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية مؤخرا ان القوات الأمريكية لم تحصل على أي تدريبات للوقاية من اليورانيوم المستنفد استعدادا لأي حرب قادمة ضد العراق وكانت هذه الوزارة قد طالبت القوات الأمريكية في منتصف التسعينيات بارتداء ملابس واقية خاصة عند اقترابها لمسافة خمسين ياردة من إحدى الدبابات المضروبة بقذيفة يورانيوم مستنفد وهذه القاعدة التي أقرتها هيئة الآمان النووي الأمريكية في ذلك الوقت تم التخلي عنها في أواخر التسعينيات.
وقد اعترف مسئولو وزارة الدفاع الأمريكية عام 1998 بفشلهم في تحذير الجنود الأمريكيين من مخاطر هذا السلاح قبل حرب الخليج الماضية الأمر الذي أسفرعن آلاف الإصابات غير الضرورية لهؤلاء الجنود الذين تعرضوا للإشعاع نتيجة الاقتراب من دبابات تم تدميرها بطلقات يورانيوم مستنفد وقال مؤخرا متحدث باسم الجيش الأمريكي أن القواعد الجديدة تعكس أحدث البيانات المتعلقة باليورانيوم المستنفد ولكن المعارضين يرون أن هذا التقليل الرسمي لمخاطر اليورانيوم المستنفد هو محاولة من جانب مسؤولي الإدارة الأمريكية للاحتفاظ بهذا السلاح الفعال في الترسانة الأمريكية في الوقت الذي تواجه فيه دعاوى تعويضات كبيرة من عدد من الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية نتيجة تعرضهم للاشعاع.
يقول دوراكوفيك الرئيس السابق لقسم العلاج النووي في احد مستشفيات الجيش الأمريكي ورئيس أحد مراكز العلاج باليورانيوم حاليا أن ساحة المعركة القادمة في العراق سوف تكون مصدر خطر كبير بعد انتهاء هذه الحرب وقد نشرت دراسة مؤخرا في المجلة الطبية العسكرية الأمريكية تقول إنه وجد يورانيوم مستنفداً في البول الخاص بعدد 14 مريضاً من بين 27 جندياً أمريكياً مصاباً بأعراض حرب الخليج وذلك بعد تسع سنوات من انتهاء الحرب.
وكان دوراكوفيك قد أكد في شهادة له أمام الكونجرس عام 1997 أن اليورانيوم المستنفد يجعل ساحات المعارك في المستقبل تختلف تماما عن ساحات المعارك في أي مرحلة سابقة من تاريخ البشرية وإن الإصابة أو الموت سوف يظلان يهددان الناجين من المعارك لعشرات السنوات بعد انتهاء الحرب ورغم أن قذائف اليورانيوم المستنفد تزيد من فرص انتصار القوات التي تستخدمها إلا أن البعض يرى أن ثمن هذا الانتصار باهظ جدا فعلى الرغم من عدم القدرة على حساب أخطار اليورانيوم المستنفد حتى الآن فإن العسكريين الأمريكيين وتقارير الخبراء تشير إلى أنه يمكن أن يتسبب في الإصابة بالسرطان ومن المستحيل تطهير التربة التي تتعرض له.
وقد تم تزويد القوات البريطانية التي تخدم في إقليم كوسوفو ببدلة وقناع واق كامل وتم إصدار التعليمات للجنود بارتداء هذه البدلة الواقية والقناع في حالة الاقتراب من دبابة تم تدميرها باستخدام قذيفة يورانيوم مستنفد.
وهناك تقرير آخر لوكالة الطاقة النووية البريطانية التي استخدمت ما يقدر بحوالي 40 طنا من اليورانيوم المستنفد فقط للوصول إلى مستوى الخطر المفترض من هذه المادة وتنبأ التقرير بأن الكمية التي تم إطلاقها خلال حرب الخليج الثانية والتي تصل إلى ثمانية أضعاف الكمية التي تم اسخدامها أثناء البحث يمكن أن تتسبب في وفاة نصف مليون شخص.
يقول كريس هيلمان كبير المحللين في مركز واشنطن للمعلومات العسكرية انه لم يتم التوصل حتى الآن إلى طريقة آمنة لاستخدام اليورانيوم المستنفد لذلك يجب وقف استخدامه حتى يتم التوصل إلى هذه الطريقة ولكنه يضيف بأن العقلية العسكرية واضحة وهي أن هذه هي الحرب والحرب هي الجحيم بعينه ومن يطلق الرصاصة الأولى يمكنه الفوز ويضرب أعداءه بكل ما لديه.
وتخضع جميع العناصر التي تحتوي على يورانيوم مستنفد في الولايات المتحدة الأمريكية سواء في مرحلة الانتاج أو الاستخدام أو حتى التخلص منها تخضع لسيطرة صارمة ويمتلك الجيش الأمريكي فقط 14 ترخيصا لمعالجة البقايا ويتم دفن بقايا اليورانيوم المستنفد في أمريكا في مدافن خاصة بالعناصر منخفضة الإشعاع بعدأن يتم مزج جسيمات اليورانيوم مع الخرسانة ووضعهما معا في برميلين.
ولكن عندما يصل الأمر إلى مقاومة المدرعات فلا يوجد أفضل من قذائف اليورانيوم المستنفد فهي قادرة على اختراق أقوى الدروع كما أنها رخيصة الثمن لذلك فإن المدفعية الأمريكية تفضل هذه القذائف وتقول انها تحمي حياة الكثير من الجنودالأمريكيين على خطوط القتال الأولى كما أن مقبرة الدبابات العراقية الموجودة في صحراء العراق الجنوبية توضح ايضا لماذا يفضل رجال المدفعية الأمريكية هذه القذائف.
تؤدي قذيفة اليورانيوم المستنفد إلى إشعال نيران حامية جدا في الدبابة التي تصيبها حيث تنفجر أيضا ذخائر الدبابة نفسها مما يتسبب في انفجار كبير يطيح بقمة الدبابة وفي هذه العملية فإن اليورانيوم المستنفد الموجود يتطاير في الهواء ويؤدي إلى ظهور جسيمات «ألفا» ورغم أن جسيمات «ألفا» هذه تكون أقل من ربع بوصة فإنها تعطي طاقة إشعاعية تفوق جسيمات «بيتا» و «جاما» عشرين مرة.
وهناك اعتقاد شائع بين الكثيرين من الأمريكيين بأن اليورانيوم المستنفد عنصر أساسي في مرض أعراض الخليج الغامض الذي أصاب عدداً من الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في هذه الحرب.
أما العراقيون فيؤكدون أن هذا اليورانيوم تسبب في مشكلات صحية حادة مثل الإصابة بالسرطان والمواليد ناقصي النمو ويوضح العراقيون إن هذه المشكلات تزداد بوضوح في المناطق الجنوبية وهي المناطق التي تعرضت لقذائف اليورانيوم المستنفد أكثر من غيرها أثناء حرب الخليج الثانية.
يقول الدكتور تامر أحمد حمدان من البصرة إنه لا أحد يفوز في الحرب فالكل خاسرون ورغم ذلك فستصبح البصرة مرة أخرى ساحة لحرب كبيرة وكانت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» قد زارت البصرة عام 1998 والتقت مع الدكتور تامر الذي عرض عليها صندوقا به أفلام أشعة إكس تصور التشوهات الخلقية في العراقيين والآن فإن هذا الرجل يعرض صناديق عديدة من هذه الأفلام ويضيف إننا سنتذكر ان الأمريكيين استخدموا هذه القذائف مرة أخرى التي قتلت الكثير من البؤساء ونحن نأمل ألا يستخدمونها.
والحقيقة إن العراق يعاني من مشكلات صحية عديدة بسبب العجز في عدد الأطباء والأدوية والمياه النقية بالإضافة إلى التعرض للإشعاع الناجم عن قذائف اليورانيوم المستنفد.
يقول الدكتور جواد خالد علي مدير قسم السرطان في مستشفى صدام حسين بالبصرة إن معدل الإصابة بالسرطان زاد حاليا بمقدار أحد عشر ضعفا مقارنة بما قبل حرب الخليج الثانية وفي حين كان مخططو الحرب الأمريكيون وحلفاؤهم في حرب الخليج الثانية حريصين على تجنب الخسائر في صفوف المدنيين العراقيين فإنه لا يمكن الدفاع عن استخدام اليورانيوم المستنفد وتأثيراته المميتة على هؤلاء المدنيين ويقول المحللون إن التخلص من صدام حسين ربما لايمثل الهاجس الأول للمدنيين.
يقول الدكتور هيلمان إنه لا يعتقد بوجود إجماع لدى الشعب الأمريكي على أن الحرب هي الشيء الصحيح الذي يجب القيام به رغم أنه متأكد من الاتفاق على أن صدام حسين يحتل قائمة أكثر الناس شرا في العالم لذلك فإنه مهما تكن الوسائل المستخدمة للتخلص منه وبما يضمن أمن القوات الأمريكية في هذه العملية يمكن أن تكون مقبولة لدى الأمريكيين ويضيف إنه بالنسبة لسقوط عدد كبير من الخسائر بين المدنيين العراقيين فإنه يمكن القول بأنه يمكن ألا تقع معركة كبرى على الأرض العراقية وبالتالي قد لا تذرف دموع كثيرة من أجل هؤلاء العراقيين.
أما الدكتور عبد الكريم صابر بمستشفى الأطفال في البصرة فلديه ثلاثة ألبومات ممتلئة بصور الأطفال ناقصي النمو والمشوهين والذي يقول إن معدلهم زاد ست مرات عما كان عليه قبل الحرب ويقول لقد أصبحنا معتادين تماما على مثل هذه الحالات ويضيف إن الأمهات أصبحن يستخدمن الموجات الصوتية لمعرفة ما إذا كان الجنين مشوها وإجراء عملية إجهاض إذا كانت التشوهات حادة ويواصل الدكتور صابر رصد المأساة العراقية فيقول إن المشكلة الأخطر أن أغلب المريضات أصبحن يخشين الحمل مرة أخرى بسبب الخوف من الأجنة المشوهة.

(*) خدمة كريستيان ساينس مونيتور

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved