Tuesday 31th December,200211051العددالثلاثاء 27 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

حرب داخل الحرب! حرب داخل الحرب!
بقلم جون هيوز

إذا بدأت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب ضد العراق فهناك حملتان ستترافقان خلال هذه الحرب الأولى الحملة العسكرية الجوية والبرية التي تهدف إلى الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين والثانية حملة العلاقات العامة التي ستسعى العسكرية الأمريكية وإدارة الرئيس جورج بوش إلى الفوز من خلالها بدعم الرأي العام للحرب داخل امريكا وستلعب الصحافة المطبوعة ووسائل الإعلام الإلكترونية الأخرى دورا مهما في هذا المجال وسيتدفق الصحفيون بالمئات لتغطية الحرب مع إحداث ضجيج كبير جدا اثناء هذه التغطية ولن يقتصر الأمر على صحفيين من أمريكا وبريطانيا فقط ولكن من عشرات الدول الأخرى ومن مؤسسات إعلامية تتراوح بين مؤسسة نيويورك تايمز ووكالة الصحافة اليابانية وصحيفة الأهرام المصرية وقناة الجزيرة القطرية ورغم أن العراق قد يسمح لعدد من الصحفيين بتغطية الحرب من بغداد على أمل تبني وجهة نظر العراق فإن الأغلبية الساحقة من الصحفيين سوف تغطي الحرب من الجانب الأمريكي لذلك فقد بدأ العديد من المؤسسات الإعلامية والإخبارية في تخصيص الأموال اللازمة لتغطية الحرب المنتظرة وتجهيز مراسليها الحربيين بالملابس الواقية من الغازات الكيماوية وغيرها من معدات الوقاية اثناء العمل على جبهة القتال وإرسالهم إلى معسكرات تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية لتدريبهم.
أكثر ما يقلق وزارة الدفاع الأمريكية هو الصحافة الأمريكية التي سوف تحدد إلى درجة كبيرة طبيعة الرأي العام الأمريكي أثناء هذه الحرب وهنا يجب القول بأن هناك عددا كبيرا من الخلافات التي تفصل بين الجيش والصحافة لأن لكل طرف أجندته الخاصة فالصحافة تريد أن تكون أقرب ما يمكن من الأحداث لترصد المنتصرين والمنسحبين على السواء وترسم صورة للحرب كما هي سواء كانت تلمع بأضواء النصر أو معتمة بظلمة الهزيمة في حين يحتاج الجيش إلى إدارة عملياته بعيدا عن عيون المتطفلين لأسباب أمنية وفي نفس الوقت يريد توجيه التغطيات الصحفية لمصلحته.
ومنذ الحرب العالمية الثانية التي كان أغلب المراسلين خلالها في جانب الحلفاء لأنهم كانوا يرون هذه الحرب تدور بين الفاشية والنازية من جانب وبين المدافعين عن الأخلاق والحضارة من جانب آخر تغيرت العلاقة بين العسكريين والصحفيين.
وفي حرب فيتنام كان الصحفيون يتمتعون بحرية كبيرة للوصول إلى الوحدات على الخطوط الأمامية للمواجهة سواء على الجانب الفيتنامي أو على الجانب الأمريكي.
وقد كنت انا مثل العديد من الصحفيين استطيع السفر إلى مطار تان سون في عاصمة فيتنام «سايجون» ومن هناك استقل طائرة مروحية إلى معاقل المقاومة الفيتنامية أو استقل طائرة سي 130 للسفر نحو الشمال حيث القوات الأمريكية لمرافقة أي وحدة أمريكية في طريقها لتنفيذ اي نوع من العمليات وقد أدى ذلك إلى الكثير من التقارير الصحفية ذات النتائج السلبية والتي لم يرحب بها العسكريون.
وقد تعهد الكثير من كبار الضباط الأمريكيين في ذلك الوقت بأن مثل هذا النوع من الحرية لن يتاح في أي حرب قادمة بعد ذلك وقد تحقق ذلك بالفعل في حرب الخليج الثانية وبعدها حرب أفغانستان حيث كانت تحركات الصحفيين ووصولهم إلى الوحدات الأمريكية مقيدة جدا.
وإذا اشتعلت الحرب ضد العراق عام 2003 فسوف يكون هناك صراع كبير حول متى وأين يمكن للصحفيين أن يصلوا لتغطية وقائع الحرب؟
وكذلك كيف سيتم تغطية أنباء الخسائر المحتملة لهذه الحرب وغيرها من الموضوعات الحساسة؟
العنصر الثاني الذي شهد تغييرا جذريا خلال هذه السنوات هي وسائل الاتصال.
فقد كان من الممكن للصحفيين الوصول إلى القوات المحاربة في فيتنام ولكن الأمر كان أكثر تعقيدا بالنسبة لمصوري التلفزيون حيث كان الأمر يستغرق عدة أيام حتى يمكن إعادة الفيلم الذي تم تصويره من موقع الحدث إلى مطار سايجون حتى يأخذ طريقه في إحدى الطائرات المتجهة إلى نيويورك ليتم إذاعته في القنوات التلفزيونية المختلفة.
أما اليوم فإن أطقم التصوير التلفزيوني في أرض المعركة تتصل بمقار رئاستها أينما كانت على مدى 24 ساعة يوميا عبر جهاز اتصال محمول متصل بالأقمار الصناعية وكذلك عبر أجهزة التليفون الخلوي وفي أي حرب قادمة ضد العراق قد تستخدم المؤسسات الإخبارية الأمريكية أداة جديدة لتغطية الحرب من خلال صور الأقمار الصناعية عالية الوضوح وهذه الصور متاحة من خلال شركات تجارية خاصة في أمريكا وروسيا وفرنسا وغيرها ولكن ما الذي يمكن لهذه الشركات أن تخبرنا به من خلال صور أقمارها الصناعية؟ وهل تخبرنا بتحركات القوات ومعسكرات الإرهابيين التي تم إخلاؤها دون أن ننتظر بيانات المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية؟.
ولما كنت قد قضيت أغلب سنوات عمري أعمل في الصحافة ومتحدث باسم الحكومة بعضا من هذه السنوات فإنني أعلم من خلال تجربتي الشخصية أن أغلب المؤسسات الإعلامية تصبح حساسة جدا للحاجة إلى ضبط النفس أثناء تغطية عمليات عسكرية أو مخابراتية حيث يتم فيها المخاطرة بأرواح أشخاص ولكن الصراع يستمر بين الصحفيين الذين يحاولون الضغط من أجل الكشف عن كل الحقيقة وبين المسؤولين الذين يحاولون الحفاظ على حقهم في تحديد ما الذي يمكن للشعب معرفته وما الذي لا يمكنه معرفته.
وهنا تلعب الفترات الطويلة التي تربط بين العسكريين والصحفيين دورا مهما في التقريب بين الطرفين ولكن كما كتب الجنرال إيزنهاور قائد قوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية في تعليماته للمراسليين الحربيين أثناء هذه الحرب فإنه يقول إن أهم شيء في العمليات العسكرية هو عدم إعطاء أي معلومات ذات قيمة للعدو وأن أهم شيء بالنسبة للصحافة أو الإذاعة هو نشر المعلومات على أوسع نطاق وإن تسوية الخلاف بين هذين الموقفين المختلفين هو جزء من الديموقراطية.

* محرر ومدير التشغيل في محطة «ديزيرت نيوز»
* خدمة كريستيان ساينس مونيتور- خاص ب«الجزيرة»

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved