* واشنطن دانييل يورجين *
إذا كان السؤال هو البترول، فإن الإجابة ليست هي العراق، ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن الأزمة العراقية تم نسجها من أجل وضع قبضة الولايات المتحدة وصناعة البترول الأمريكية على «البترول العراقي»، إلا أن آخرين يرون أن وجود عراق محرر سوف يغرق الأسواق العالمية بالبترول الرخيص ويساعد على وضع حد سريع لحالة القلق الخاصة بأمن الطاقة لنا.
على الرغم من صعوبة هذه التصورات للغاية، إلا أنها تقوم على أساس سوء تصور أساسي من حيث النطاق والتوقيت.
نعم، إن العراق يعد دولة بترولية كبيرة، حيث يملك ثاني أكبر احتياطي محقق في العالم، إلا أنه من منظور الطاقة الإنتاجية يمثل فقط نسبة 3% من إجمالي الإنتاج العالمي.
يصل معدل صادرات البترول العراقي إلى معدل صادرات نيجيريا، ولو أراد العراق مضاعفة طاقته الإنتاجية فسوف يستغرق منه ذلك أكثر من عقد من الزمان.
وفي الوقت نفسه، فإن نمو الإنتاج البترولي في أماكن أخرى من العالم سوف يحد من حصة العراق ويصل بها في النهاية إلى 5% وهي نسبة كبيرة، إلا أنها تضع العراق في مصاف الدول المنتجة من الدرجة الثانية في العالم.
البترول والمعارضة
إن السيناريو الذي يفترض ترحيب العراق بالمستثمرين الأجانب وفق جدول زمني معقول كما يروي لنا التاريخ لا يعد نتيجة سابقة، لقد أعلنت الكويت المحررة بعد حرب الخليج عام 1991 إحساساً منها بالجميل أنها سوف تفتح صناعة البترول أمام الاستثمار الأجنبي لزيادة الإنتاج.
وبعد مرور أحد عشر عاماً لم يحدث شيء، بسبب المعارضة الوطنية لذلك في البرلمان الكويتي.
وفي الوقت الذي تتركز فيه هذه الأزمة على الأمن بصفة عامة أسلحة الدمار الشامل العراقية فإن هناك بعداً واضحاً خاصاً بالطاقة ينبغي مواجهته:
الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي التي يتدفق منها نحو ربع البترول العالمي.
إن تحركات صدام حسين للسيطرة على المنطقة واضحة ولا يمكن استبعادها، إلا أنها تتطلب عدة قفزات منطقية وإغفال التنمية في بقية دول العالم خاصة في روسيا ومنطقة بحر قزوين وغرب أفريقيا للتوصل إلى أن الأزمة العراقية الحالية تدور بشكل كامل حول البترول.
خليج بدون صدام
إن أي إدارة أمريكية لن تقوم بأي حملة قوية لمجرد الحصول على حفنة قليلة من عقود تنمية البترول، وتحقيق زيادة محدودة في الإمدادات، بعد نصف عقد من الآن.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يؤثر خليج عربي بدون صدام حسين على مستقبل البترول العراقي؟ إن المناقشات الجارية حالياً تهيمن عليها بشكل كبير الشكوك والمخاطر أكثرمن المنافع.
وتتركز القضية الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن على حرب محتملة، والدمار الناجم عنها بالنسبة للناتج العراقي في المستقبل القريب عندما يحتاج نظام جديد هناك بشكل قوي إلى عائدات البترول لضمان استقراره.
إشعال الآبار
تسود أفكار كثيرة حالياً حول احتمالات إقدام صدام حسين على إشعال النار في منشآت البترول حتى تكون هزيمته بثمن باهظ.
أما القضية الأخرى التي تحظى بالأهمية هنا فإنها تتعلق بتصورات «الغد» في العراق، وما إذا كانت ستنحصر في مسألة السلطة، ومن هو الذي سيتولى المسؤولية؟ إذا كانت هناك حكومة مؤقتة، سواء بقيادة الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، فإنها سوف تكون مشغولة بشكل كبير بتحقيق سيطرة قوية على الأسلحة العراقية، ووضع أساس سريع لحكومة عراقية جديدة موسعة، مع التركيز بشكل أساسي على الأمن بما في ذلك تأمين منشآت البترول.
حكومة مؤقتة
ونظراً لأن الدولة سوف تحصل على معظم ما تحتاجه للمعيشة من صادرات البترول، فإن سلطة عسكرية مؤقتة فيها سوف يعنيها تعظيم عائداتها البترولية، إلا أنه ليس من المحتمل أن تكون هناك رغبة من جانب السلطة العسكرية للتدخل كثيراً في عملية صنع القرار بشأن مستقبل هذه الصناعة وبدلاً من ذلك، فإنها سوف تحاول دفع هذه المسؤولية إلى حكومة عراقية جديدة أو مجموعة مؤقتة من التكنوقراط.
وسوف تعمل حكومة عراقية جديدة على وضع المورد الاقتصادي الأول تحت يدها حتى تستطيع توليد دخل يخصص لإعادة البناء والتنمية.
وفي الوقت نفسه، فإن حكومة جديدة سوف تقرر أيضاً تعزيز سيادتها وشرعيتها وترسيخ وضعها الوطني، وهي كلها أمور ضرورية للم شمل البلاد والمحافظة على وحدتها، وهذا من شأنه أن يضمن للعراق وضعا قويا في المفاوضات مع شركات البترول.
ومن المفترض غالباً أن يعيد العراق في المفاوضات «القاصرة» على البترول حصته الحالية وهي 8 ،2 مليون برميل يومياً إلى الشركات العالمية، إلا أنه افتراض مهزوز.
الشركات الأجنبية
وفي حالة استعانة الحكومة العراقية بالشركات الأجنبية، فإنه سوف يتعين عليها تقسيم العائدات بحيث تحتفظ ب 88 سنتاً من كل دولار يتم تحصيله لنفسها وترك 12 سنتاً للشركات العالمية.
السؤال هنا: لماذا لا تحتفظ الحكومة العراقية بالدولار كله لنفسها، وأن تقوم ببساطة بشراء ما تحتاجه من التكنولوجيا والمعدات الخاصة بالحقول القائمة حالياً؟ إن ما تحتاجه حكومة ما بعد صدام حسين هو رأس المال الكثير من رأس المال لاستخدامه في عمليات الاستكشاف والإنتاج الجديد من حقولها الحالية غير المطورة.
ومن المحتمل في هذه الحالة أن النظام الجديد سيلفت اهتمام شركات البترول العالمية إلى هذا الموضوع، ولكن أياً من هذه الشركات؟ إن عدد الشركات المتقدمة هنا سوف يكون كبيراً، فبمجرد أن تتضح الأمور، فإن الشركات سوف تكون أكثر شغفاً بالحصول على عقود مع دولة لديها 11% من احتياطي البترول العالمي.
إلا أن هذه الشركات سوف تكون في غاية الحذر عندما تقدم على إنفاق مليارات الدولارات إلى أن يتحقق لها الثقة الكاملة في الأمن والاستقرار «الاستقرار» ينطبق ليس فقط على النظام الجديد، بل على العقود التي يوقعها.
إن شركات من دول عديدة من روسيا وفرنسا وإيطاليا والصين من بين هذه الشركات لديها بالفعل عقود، إلا أنها ليست مستغلة بسبب العقوبات السارية حتى الآن المفروضة من قبل الأمم المتحدة.
شركات وشراكات
إن الشركات التي ليست لديها عقود، بما فيها الشركات الأمريكية، سوف تضطر إلى تقييم مدى الوقت والمتاعب التي تستطيع تحملها، وبالنسبة لشركات البترول وهي القضية الكبرى، حيثما تعمل في العالم سوف يدورالسؤال حول كيفية نجاحها في إدارة المخاطر الجيولوجية والسياسية، ورداً على ذلك فإنها سوف تعمل معاً غالباً في ظل مجموعات وشراكات.
إن مثل هذا النهج يوفر لها الحماية، وينشر استثماراتها، وينوع من مراكزها، وتلك هي النتيجة المحتملة مع العراق.
إن الشركات التي لديها عقود قائمة من المحتمل أن تتعاون مع الشركات الأخرى الأمريكية والأوروبية والكندية والأسترالية واليابانية لتشكيل شراكات جديدة تلبي الحاجة الملحة للحكومة العراقية الجديدة، التي ستعمل من أجل تعزيز موقفها من خلال التعامل مع شركات ذات توجهات سياسية عديدة ومتنوعة تمثل الكثيرمن الجنسيات المختلفة.
زيادة الإنتاج
إن شيئاً من ذلك لن يحدث على نحو سريع، وربما يستغرق الأمر من النظام الجديد عاماً أو نحو ذلك لمجرد تنظيم الأمور والبدء في التفاوض على عقود جديدة، وعندما يفعل ذلك، فإنه سوف يكون في حاجة إلى مواجهة الحالة المتدهورة لصناعة البترول العراقي، ومن أجل العودة إلى مستوى 5 ،3 ملايين برميل يومياً فإن ذلك قد يستغرق ثلاث سنوات أو أكثر من ذلك، بتكاليف تصل إلى ما لا يقل عن سبعة مليارات دولار.
إن هذا الوضع من شأنه أن يعيد العراق إلى مصاف النرويج وإيران والإمارات العربية المتحدة والمسكيك وفنزويلا.
إن إضافة مليوني برميل يومياً سوف يتطلب دفعة كبرى، ومن شأنه أن يترك العراق في مستوى أقل من مستوى قدرة الإنتاج السعودي والأمريكي والروسي بعدة درجات حيث ان تحقيق قفزة إلى 5 ،5 ملايين برميل يومياً سوف يتحقق بعد عام 2020 بتكاليف تزيد على عشرين ملياردولار.
وفي الوقت الذي يزيد فيه إنتاج العراق فإنه سوف يبدأ في منافسة جيرانه للحصول على نصبيب أكبر من السوق.
العراق والأوبك
ومع ذلك فإن هذا الوضع من شأنه أن يعطي العراق، قوة كافية ليكون قوة كبيرة داخل منظمة الأوبك، كما أن العراق لن يكون له القوة الكافية لإغراق السوق، ولا الرغبة في ذلك حيث ان حاجته القوية للحصول على العائدات سوف تجعله أكثر اهتماماً بوصول سعر البرميل إلى 20 أو 25 دولاراً، بدلاً من عشرة دولارت، وبحلول عام2010 يمكن أن يصل الطلب العالمي على البترول بدافع الطلب من دول مثل الصين والهند إلى نحو 90 مليون برميل يومياً أي بزيادة نسبتها 17% عن المعدل الحالي.
منافسة شرسة
ولكن من أين ستأتي هذه الكميات؟ هنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً، يمكن للمرء أن يتصور بداية منافسة أكبر حجماً، تقف على طرف منها روسيا ودول بحر قزوين، خاصة كازاخستان وأذربيجان.
وعلى الطرف الآخر تقف دول الشرق الأوسط بما فيها العراق، وعلى مدى السنوات الثلاث الأخيرة، زاد ناتج روسيا الإجمالي بنسبة 25 % ليصل إلى 8 ملايين برميل يومياً، وزادت حدة التنافس مع الإعلان الأخير من جانب أربع شركات بترول روسية عن عزمها بناء ميناء في منطقة القطب الشمالي للتصدير مباشرة إلى الولايات المتحدة.
الجائزة الكبرى
وحتى الآن، فإن روسيا ودول بحر قزوين تبدو لها الأفضلية في هذا السباق، ومع ذلك فإن كل ذلك خاضع للتغيير، إن النتيجة لن تقررها فقط الجيولوجيا، وتوازن الفرص والمخاطر من جانب الشركات، بل أيضاً الاستقرار السياسي والاقتصادي، والقرارات التي تتخذها الحكومات.
إلا أن الجائزة الناجمة عن هذا السباق الأكبر من نوعه لمواجهة الطلب العالمي المتزايد سوف تكون كبيرة للغاية حيث سيتم ضخ 100 مليار دولار إضافية، أو يزيد سنوياً من عائدات البترول في الخزائن الوطنية بحلول عام 2010.
إن «الغد» يحمل للعراق وضعاً أفضل للمنافسة للحصول على حصته في السوق، إلا أنه سوف يكون واحدا من منافسين أقوياء آخرين.
* رئيس معهد كمبردج لأبحاث الطاقة، ومؤلف كتاب «الجائزة: التنفيب الطويل عن البترول والمال والسلطة». المصدر: الواشنطن بوست خدمة الجزيرة الصحفية
|