من الأدعية المهمة في ديننا الإسلامي قولنا: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم» وهي من الأذكار التي أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم لما فيها من التخلُّص من الاعتماد على النفس أو المال أو الصديق أو الحليف، والاعتماد الكامل على الله القوي العزيز العلي العظيم، وهذه «الحوقلة» من أسباب كشف الأزمات عن الإنسان وتفريج الكربات إذا ردَّدها بقلب خاشع، ونفس مطمئنةٍ مؤمنة بأنَّ الله قادرٌ على كلِّ شيء، وقد ورد في حديثٍ صحيح أن رجلاً من الصحابة شكا إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ ابنه قد أخذه قومٌ من الأعراب وقيدوه فأمره أن يردِّد هو وزوجته «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» فأخرج الله بها ابنه من أزمته.
إذن« فإنَّ القوَّة لله الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو عز وجلَّ بكل شيءٍ محيط، وإذا رفع أحدٌ من البشر رأسه متطاولاً على الله، مختالاً متكبراً مغروراً بقوَّته البشرية فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيعاقبه بالخذلان والإهانة، والهزيمة الساحقة، وإنْ أمهله فترةً من الزمن يقدِّرها عز وجل وفق علمه المحيط بكل شيء.
إن منطق القوَّة عند البشر الذين لا يؤمنون بالله عزل وجلَّ حق الإيمان يتحوَّل إلى جبروت وظلم واعتداءٍ وإعجابٍ بالنفس وإلى تحطيم لكل مقياس خلقي فاضل، فلا رحمة لضعيف، ولا رعاية لحق مسكين، بل إن أصحاب هذه القوة المنحرفة يصبحون عناصر إرهابٍ وتخويفٍ للبشر، ومصادر زعزعة للأمن، وقلقٍ للنفوس، ويرون - بمنطق قوتهم - أن مِنْ حقهم أن يقدِّموا مِنَ الناس مَنْ يشاؤون وأن يؤخروا مَنْ يشاؤون، وأن يقتلوا، ويهينوا ويعتدوا، ويمكن - بسبب غرورهم المفرط - أن يصوِّروا للناس أنهم هم أصحاب الحق والتوجيه والإصلاح على طريقتهم الخاصة، وذلك واضح تمام الوضوح في سيرة فرعون الذي قال: {فّقّالّ أّنّا رّبٍَكٍمٍ الأّعًلّى"}، ووصف موسى ومنهجه بالضلال والانحراف لأنه - بغروره الواهم - كان يرى أنَّ منهجه المتعالي المتغطرس هو الصواب وأنَّ مَنْ يقف ضدَّه، أو يدعو إلى إصلاحه وتغييره هو المنحرف عن الصواب، وهذا شأن كثير من أهل الباطل الذين يُسيئون،ويصفون إساءتهم بالإحسان، وإحسانَ غيرهم بالإساءة ويرون أنَّ من حقِّهم أنْ يفعلوا ما يشاؤون، وينفذوا ما يريدون، دون رقيبٍ أو حسيب، إنَّ منطق القوة عند البشر إذا سلك هذا الطريق المعوجَّ، وبلغ هذه الدرجة من الاعتداء الغاشم على الناس، والاستهانة بإرادة الله وقدرته، سيكون طريقاً إلى نهاية المغرور به، وسبباً في فشله وتدميره، لأنه يكون في هذه الحالة منطقاً أعمى، يهدم ولا يبني، ويفسد ولا يصلح، ويؤخِّر ولا يقدِّم.
إن للحياة في هذه الدنيا أخلاقاً كريمةً في التعامل بكل أنواعه، علماً وعملاً، تجارةً وسياسةً، ثقافةً وفكراً، سلماً وحرباً، وهذه الأخلاق الكريمة هي السبب في استقرار الحياة، واستمرار تطوُّرها، وسلامةٍ القويِّ والضعيف فيها، والفقير والغني والكبير والصغير، فإذا أهمل الانسان هذه الأخلاق أو شيئاً منها، فقد كتب أوَّل عبارة في صفحة الانحراف والضياع له ولغيره من البشر.
الانسان قويٌّ بإيمانه، وأخلاقه الفاضلة، ورحمته للآخرين، وحرصه على الإنصاف والعدل، ولا يكون قويَّاً إلا بذلك، فإذا انحرف عن هذه السِّمات الكريمة فقد بدأ رحلته المؤلمة إلى الضعف والانحدار، وفتح على نفسه أبواب غضب الله، وجلب لها المصائب والأخطار.
إن لله سبحانه وتعالى من السنن الكونية ما يجب أن يضعه الانسان نُصْب عينيه، فإنَّ سنن الله لا تتبدَّل ولا تَتغيَر، والظالم هو الظالم سواءٌ كان ممن عاش قبل آلاف السنين، أو ممن يعيش في القرن الواحد والعشرين، والله متعهِّد بنصر المظلوم على الظالم لأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
وهناك مسألة مهمة جداً يجب أن يلتفت إليها الناس جميعاً، ألا وهي غفلة الظالم عن النُّذُر التي يراها رأيَ العين في حياته تنذر بحلول عقاب الله عليه، وتمتدُّ هذه الغفلة أحياناً إلى المظلوم إذا خالط ثقته شعور باليأس أو القنوط لتأخر نزول العقاب بالظالم، وهنا تكون بغتات العقاب الإلهي للبشر، التي يقف كلٌّ من الظالم والمظلوم أمامها في دهشةٍ واستغراب، فتكون الصَّدْمة العنيفة للظالم وتكون المفاجأة الكبيرة للمظلوم.
إن منطق القوَّة من أخطر أسباب الغفلة القاتلة، وموت الضمير عند الإنسان، وهنالك شواهد كثيرة جداً في تاريخ البشرية، وواقعها المعاصر تؤكد هذا الذي نقول، ولكن الناس عنها غافلون.
المؤمن بالله هو الذي يستشعر عظمة الله سبحانه وتعالى، حين يرى منطق القوة البشرية الغاشمة مسيطراً على الناس.
إشارة:
قوَّة الله، قوَّةٌ في مداها تتهاوى الأعداد والقوَّات |
|