لسبتةً ذكرٌ لا يزالُ معَطرا
يفوحُ شذا بين المدائن والقرى
وعهدٌ على الإسلام ضاء سناؤه
على المغرب الأقصى سراجاً منورا
تطاولَ ثم امتد شرقاً ومغرباً
كما سار بدر في الدياجي ونوَّرا
رأيت بها شيخاً، توجهتُ نحوه
فألفيتهُ كالرمح. يهتز أسمرا
تقود عصاه خطوةٌ، وصبيةٌ
تجاذبه في خطوه المتعثرا
مددتُ له كفى أحيِّي مسلِّما
فرحب بي مستعلماً مستفسرا
يسائلني ممن أخونا، وقد علا
محياه طيف المستريب تحيرا
فقلتُ: من البيت الحرام، فهزّهُ
جوابيَ هزَّ الكهربا.. فتسمرا
ومدَ ذراعيه، ومددتُ لضمه
ذراعيَّ في زهو العناق فكبرا
وفاضت مآقينا بما سال فارتوت
عواطفنا مما همى وتحدرا
فقلتُ: مَن العمُّ المهابُ؟ فكان في
سؤالي له ما لاح لي متذكراً
فقال: من أكناف الجزيرة، لا أعي
القبيلَ.. أمن عدنان أم كان حميرا
تدفق أجدادي ففاضوا على الرُّبا
من المغرب الأقصى خضما تكسرا
يقودهمُ موسى وعقبة كم طووا
المفازات منها بالسرايا وبالسَّرى
فجازوا على بحر الزّقاق يقودهم
بها طارقٌ فيمن أجاز ومن سرى
فأشمل منهم من تلقفت الذُّرى
طلائعهم بين المدائن والقرى
سمعنا من الأجداد أنّ جدودهم
أقاموا من البرنات للفتح معبرا
وأنّهمُ ممن أقال وحلّ في
بواتيه من نهر الموت المولول أحمرا
فكان لهم في أورليان وحولها
من الوطن الأفرنس مجد تكاثرا
إلى أن أتى الثلج المخيف وأطبق
الصَّقيع على عرب الصحاري مزمهرا
وبانت من البرد المدمر خيلهم
فكان لها من ذلك السهل مقبرا
جلوا وطووا عنها الخيام وجنّبوا
إلى الدفءِ في جيش إذا همَّ شمرا(10)