Friday 24th January,2003 11075العدد الجمعة 21 ,ذو القعدة 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

العولمة والجريمة العولمة والجريمة
د. سلطان أحمد الثقفي

العولمة أصبحت ظاهرة محسوسة وملموسة في عالمنا المعاصر نتيجة التطور المذهل في وسائل الاتصال وحرية الحركة والسفر والتجارة. والعولمة أمر واقع ينبغي علينا التعامل معه من داخله بقدر ما لنا من تأثير في هذا الكون الفسيح ومن خلال تكتلاتنا القومية والاقليمية، ولا ينبغي لنا النظر إلى هذا الواقع بإشكالية مستحدثة قابلة للزوال أو الإلغاء من خلال عمليات الرفض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمعلوماتي والمسلكي التي يرى الرافضون للعولمة أنها حق مشروع لمقاومة العولمة. ولأصحاب هذا الرأي نقول إن العولمة ليس كلها خير مطلق أو شر مطلق، ففيها من هذا وذاك تبعاً لقوى التأثير والتأثر وموازين القوى والقدرة على اللعب والحركة في المساحات المتاحة للجميع.
والعولمة نظام ومعطى عالمي يشق طريقه ويفرض بقوة مكونات الحضارة العالمية «الغربية» السائدة، وأبرز مكونات تعميم هذا النظام العالمي الجديد، أو عوامل العولمة أو ما تقوم عليه القرية الكونية حسب رأي الكثير من الباحثين والكتّاب هو ثورة المعلومات وتطور شبكات الاتصالات، حرية التجارة، اشاعة اللبرالية، العمل على إلغاء مفاهيم صراع الحضارات ومكافحة الإرهاب.
والعولمة ليست وليدة الصدفة أو بنت اللحظة، بل كان هناك إرهاصات كثيرة ومثيرة سبقت ظهور النظام العالمي الجديد أو العولمة كظاهرة أو كمفهوم معقد ومركب، مثل كتاب فوكوياما «نهاية التاريخ» وكتاب هنتنجتون «صراع الحضارات» وكتاب بول كندي «صعود وهبوط الإمبراطوريات» وكتاب توفلر «الموجة الثالثة» وغيرها من الكتب والندوات والمواد الإعلامية الموجهة في السنوات الفارطة، كل ذلك وغيره كان تهيئة ومقدمات لمشروع فكري تقوده الدول المتقدمة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
وعليه فقد دخلت العولمة الإنسانية في غمار تحولات كبرى يصعب فهمها، والانقياد لآثارها ونتائجها، وفهم منطقها إلا من خلال تبني منهج وأسلوب علمي ومعرفي تكاملي ينظر نظرة شمولية لكل ما هو اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي أو معلوماتي أو واقعي ومستقبلي، يتحدد فيه الدور والمكانة والعلاقة مع الآخر وكيفية فهمه.
ولفهم أعمق لمدلولات العولمة في ظل الصراع القائم بين أمم الكون وشعوبه وتجمعاته، فلا بد من إلقاء نظرة مختصرة على أبرز التعاريف السائدة لهذا المصطلح.
ومن هذا المنطلق يعرف البعض ظاهرة «العولمة» «Globalization» على أنها هيمنة القوى الأمريكية وانتصاراً لها خصوصاً بعد سقوط الكتلة الشيوعية(1). وأن النظام العالمي الجديد يشكل امتداداً للنظام القديم القائم على السيطرة والاستغلال والهيمنة على بلدان العالم الثالث، وخصوصاً إذا عرفنا أن ذلك كان نتيجة لما قامت به مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت ترصد الأحداث السياسية والاقتصادية وتحللها إلى أن توصلت لوضع خطة جديدة تقضي بقلب موازين القوى كلياً في العالم لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وإجهاض بوادر النهوض في العالم وإنهاء سيطرة الدولة ما عدا المنظومة اللبرالية الرأسمالية الأمريكية تحديداً. ومنهم من يذهب إلى أبعد من ذلك ويرى أن العولمة ما هي إلا أيديولوجية جديدة بمضمون قديم يقوم على إقصاء الآخر، واللافت أن كل مناطق وشعوب العالم أما موقعة على العولمة أو ممانعة في استحياء لأنه ليس لها ثقافة مستقلة ومؤثرة في الآخر بخلاف العالم الغربي الذي كثيراً ما تتكسَّر على أسنته الرماح.
ومن الباحثين والمهتمين من يرى أن العولمة عبارة عن حقبة تاريخية. على اعتبار أن عامل الزمن هو الحاسم، بغض النظر عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى نشوء الظاهرة محل المناقشة، وبناءً على ذلك فهناك من يرى أن المسلمين كان لديهم الفرصة لعولمة العالم عندما كانوا سادة الأرض، ولكن غياب المنهجية والموضوعية وسيادة التفكير العاطفي وغير ذلك من الأسباب حال دون ذلك (2).
وهناك من يرى أن العولمة «كظاهرة» ما زالت غير واضحة المعالم لا من حيث المفهوم «Conceptually» ولا من حيث اختبارها على أرض الواقع «Empirically » وما يمكن أن يقال عنها إنها عبارة عن ديناميكية جديدة ذات كثافة عالية وسرعة في تبادل المعلومات والمكتسبات العلمية (3).
ومنهم من يرى أن العالم قرية صغيرة لرجال المال والأعمال وهو سوق، والعولمة من هذا المنظور تعني حرية التجارة الدولية المتزايدة، والبحث المستمر عن سوق جديدة، وبذلك تصبح «العولمة» صراعا في صراع، وهذه النظرة الضيقة للتجارة الدولية أصبحت احدى حقائق وواقع العولمة.
ومنهم من يشير إلى أن مصطلح العولمة، إذا ما ذكر، يقود الذهن إلى أفق أرحب وأوسع في هذا الكون الفسيح أو إلى العالمية أو الكونية، وعليه فإن مفهوم العولمة له جوانب وأبعاد سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، تكنولوجية، قانونية وإنسانية تشمل: 1 حركة السلع والخدمات والأفكار دون حواجز 2 تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة. 3 ظهور نفوذ وسطوة الشركات متعددة الجنسيات «Multinationals» ومتعدية الجنسيات « Transnationals». 4 ظهور آليات جديدة مستقلة عن الدولة تتمحور حول المنظمات غير الحكومية. 5 بروز فكرة حقوق الانسان في الحياة الحرة الكريمة (4).
ومنهم من يرى أن العولمة مجموعة ظواهر اقتصادية، سياسية، اجتماعية، أو ثورة تكنولوجية لم تعرف من قبل. ولذا فإن لكل إنسان نظرته المستقلة والمختلفة عن العولمة.
وفي ظل تعدد تعاريف العولمة يبرز سؤال رئيس وهو: هل لا بد من الاتفاق على تعريف موحَّد للعولمة يسقط بقية التعاريف؟ الإجابة، في نظري، أن الاتفاق غير وارد أساساً لأن كل واحد من التعاريف السابقة يلامس جانباً من جوانب العولمة أولاً. وثانياً إن مفهوم العولمة - كمصطلح معقد ومركب ومختلف الدلالات والمعاني - لم يستقر، حتى الآن، في أذهان وعقول المفكرين والأكاديميين والباحثين والسياسيين وغيرهم. وفي ضوء ذلك يفضل التركيز على إيجابيات وسلبيات العولمة.
يرى أنصار العولمة أن الإيجابيات كثيرة لا يمكن حصرها وهي تشمل جميع النواحي والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية والسياسية والتقنية والمعلوماتية وغير ذلك، وهي تعمل على إعادة تشكيل العالم من حيث الإنتاج والتسويق والتمويل وزيادة فرص العمل ورفع الكفاءة البشرية والفنية. فالعولمة الاقتصادية تتحقق من خلال تطوير الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية، وتطوير صناعة السياحة على المستويين المحلي والدولي، وتحسين وسائل السفر وخفض تكلفتها، وتوحيد السياسات المالية والنقدية، وتوسيع الاستثمار والتكامل الاقتصادي.
أما بالنسبة للسلبيات فإن الكثير من مثقفي ومفكري العالم الثالث ينظرون إلى العولمة نظرة تشاؤمية. فهم يعتقدون أنها تقوم على إلغاء الهوية والثقافة الوطنية والتأثير على المصالح الوطنية والقومية وإيجاد أسواق استهلاكية والسيطرة على الأسواق المحلية وإلغاء الخصوصية الوطنية والقومية وفرض الوصاية والهيمنة تحت شعارات مغلوطة «مثل محاربة الإرهاب، حقوق الانسان، وهي مفاهيم حق يراد بها باطل» لا تقبل إلا تفسير القوى المهيمنة في ظل العولمة.
وكل هذه السلبيات «أو بعضها» تقود حتماً إلى البطالة والفساد وزيادة العصبية والاقليمية والحقد والكراهية بين الشعوب والأمم. وأبرز ما سينتج عنها الإرهاب بأشكال وصور لم يعهد العالم لها مثيلاً والتطرف والجريمة المنظمة بأشكالها المختلفة وبصور مستجدة وكذا الفساد المالي والإداري وغيرها.
العولمة والجريمة
في ظل السياق وفي ضوء ما هو معروف من سمات العولمة مثل اختصار الزمن والحد من تأثير البعد الجغرافي، فقد أصبحت المسافات أقل استهلاكاً للوقت، مما يساعد عمليات انسياب الناس والسلع بسرعة متجاوزين تأثيرات البعد الجغرافي بما فيه من دول وحدود كانت تكفل الحماية للعديد من التجمعات والشعوب. وكذلك بروز أشكال وصور متنوِّعة من الجرائم العابرة للقارات أو عبر الوطنية مثل الجرائم الإرهابية والجرائم المنظمة.وإذا سلمنا بأن العولمة جولة أو حقبة فإن اللافت للنظر عبر التاريخ وحالياً أن العالم شهد ويشهد حروباً كونية أو إقليمية وموجات من النزاعات والصراعات المحلية والعرقية التي أودت بحياة وحريات الكثير من البشر وازدادت معدلات الإرهاب والتطرف والجريمة. وما هو قائم في فلسطين والأراضي العربية المحتلة ليس استثناءً من ذلك.ولفهم أعمق لمدلولات العولمة فإنه ينبغي الإجابة على ما أثارته أحداث 11/9/2001م، الرهيبة وغير المسبوقة، من تساؤلات تبحث عن إجابة. من أبرزها: هل هذه الأحداث هي سبب أم نتيجة للنظام العالمي الجديد؟ هل هي إفراز لمفهوم القطب الواحد وقيمه أم علاقة تصادمية من نوع جديد سيكون أحد إفرازات العولمة الحديثة؟
أبرز وجوه العولمة نشر القيم المادية على حساب القيم الأخلاقية. وإن ارتباط العولمة بشيوع الليبرالية المتطرفة، كظاهرة ايديولوجية تقوم على تكريس مفاهيم «اقتصاد السوق» باعتباره أفضل النظم الاقتصادية للبشرية في عصر العولمة، يعد أحد أبرز مآزق العولمة لأنه يقوم على إقصاء الآخر وعدم الاهتمام بثقافته وبيئته. ومعلوم أنه في ظل تكتلات الدول الصناعية الكبرى والشركات العابرة للقارات متعددة الجنسيات ومتعدية الجنسيات زادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فترسيخ هذا النوع من الثقافة الاقتصادية في عصر العولمة زاد دول العالم الثالث فقراً والدول الغنية غنى. وزاد من المفاهيم الاستهلاكية لدول العالم النامي وزاد من المفاهيم الإنتاجية للدول المتقدمة.ما يميز العولمة الجديدة «الأمركة» هو عبادتها لليبرالية الجديدة واعتقادها بأن الرأسمالية واقتصاديات السوق هي المنقذ لكل شعوب الأرض وهي مصدر الخير للحضارة البشرية وليست كما يُعتقد بأنها مصدر للمشكلات. ومن هذا المنطلق وخلف ستار محاربة الإرهاب أصبح قادة الفكر والسياسة في أمريكا من المحافظين واليمينيين أكثر أصولية وراديكالية في تعميم قيم السوق الحر الليبرالية والعولمة الأمريكية التي تحارب أو تحالف كل شيء أو أي شيء بحجة «حماية الأمن القومي الأمريكي». وهو في الحقيقة استكمال حلقات سيطرة الامبراطورية العالمية «الأمريكية» الجديدة.
ومعلوم أن هناك ارتباطا واضحا بين الجريمة والتغيرات والمتغيرات العالمية «العولمة». فقد استفادت، وما تزال، عصابات الإجرام في عمليات الفساد والإفساد من معطيات العولمة التقنية وسهولة التنقل للأفراد والسلع. وأصبحت الجريمة متعددة الأشكال ومتعدية الحدود والقيود.
إن انتشار الجريمة له تأثيراته المختلفة على جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية في أي مجتمع. والجريمة، عموماً، إذا شاعت سواء في شكلها التقليدي أو الحديث تهدد الأمن والسلم الاجتماعي والوطني لأي دولة. فالإرهاب والتعصب المصحوب بالعنف أخطر ظاهرتين تهددان الأمن والسلم المحلي والإقليمي والعالمي، لأن مقومات التعصب الأعمى هو إلغاء الآخر أياً كان والإرهاب يقوم على فرض الايديولوجيا بقوة التدمير. كما أن الجريمة المنظمة والفساد الإداري بمختلف الأشكال والأنواع هما صور للجرائم المعاصرة في ظل العولمة والتي استفادت من حيث النوع والشكل والمضمون من معطيات العولمة من تقنية عالية في وسائل التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات وزيادة التشابك بين المجتمعات المعاصرة وذوبان الفوارق والحدود.ومن أبرز أشكال وصور الجريمة والمشاكل المعاصرة في ظل العولمة، والتي يتوقع لها أن تزداد مع زيادة شيوع مفهوم العولمة بسلبياته وإيجابياته، ما يلي:
* الإرهاب.
* تجارة المخدرات.
* تجارة الرقيق الأبيض وبيع الأعضاء.
* غسيل الأموال.
* الفساد الإداري.
* التهرب الضريبي.
* زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء.
أولاً :الإهارب:
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م أعلنت أمريكا وحلفاؤها الحرب على الإرهاب دون اتفاق مسبق على تعريف الإرهاب. وما يلوح في الأفق، على الرغم من وضوح موقف الدول العربية والإسلامية في تعريف الإرهاب والتفريق الواضح بينه وبين الكفاح المشروع لتقرير المصير، هو أن الغرب «أمريكا»، من وجهة نظري البسيطة، لن يوافق على هذا التعريف وسيحاربه. لا لعلة فيه أو قصور قانوني في تحديد مفاهيمه أو لقلة فعاليته في مكافحة الإرهاب، وإنما «وإنما فقط» للحيلولة دون الاعتراف للعرب والمسلمين بجدية في تحديد مفهوم الإرهاب ومحاربته. وكل ذلك بهدف استخدام هذا المصطلح «الإرهاب» لأغراض سياسية وجعله البضاعة أو مجال الصراع الذي يباع ويرد لنا لأنهم يعملون فكرياً وثقافياً ومادياً لإلصاق الإرهاب بالإسلام والعروبة. وجعل الإرهاب اسما ثالثا مرادفا للقومية العربية الإسلامية كما يريدون، أعاذنا الله من ذلك، وخصوصاً في ظل سطوة الصهيونية الدولية واليمين المسيحي المتطرف على سدة القرار في البيت الأبيض.
وهذا قد يقود إلى زيادة المنظمات والعمليات الإرهابية سواء تصدر من دول أو منظمات أو جماعات عرقية أو دينية أو راديكالية بسبب التشتت اللامنطقي لمفهوم الإرهاب. وبشكل أدق لأن أمريكا تحاول إقناع العالم بأن أي فعل له طابع عنف يصدر من غير أمريكا وربيبتها إسرائيل هو إرهاب حتى لو كان دفاعاً عن النفس أو لتقرير المصير. ولذلك يرى الكاتب أن العولمة ضمن هذا المنظور وفي ضوء المفاهيم السابقة هي صراع في صراع.
ثانياً: غسيل الأموال:
غسيل الأموال يعني تدوير الأموال التي تم تحصيلها بطرق غير مشروعة من خلال قنوات مشروعة للتحايل على المصدر المحرم لهذه الأموال. والبعض يرى أن غسيل الأموال يعني تبييضها؛ بمعنى أنها أتت من مصادر قذرة ومحرمة وتبييضها أو غسلها يعني إضفاء طابع الشرعية عليها من خلال إيداعها أو استثمارها أو نقلها بطرق مشروعة. وهذه الجريمة محاربة على كل الأصعدة المحلية والإقليمية والدولية. لأنها تقوم على إفساد الذمم والفساد الإداري والتأثير على الاقتصاديات المحلية وعمليات الاستثمار المحلية والدولية. وأغلب مصادر هذه الأموال هي التجارة غير المشروعة في المخدرات والبضائع والسلع المهربة والمقلدة والعمولات والرشاوى وخلافه. وقد ساهمت، وما تزال، التطورات التقنية وسهولة الاتصال والحركة ومعطيات العولمة سلباً أو إيجاباً في انتشار هذه الجرائم، والمخيف هو زيادة انتشارها.
ثالثاً: الفساد الإداري:
وله أشكال وصور متعددة أبرزها شراء الذمم من خلال عدة وسائل وأساليب غير مشروعة منها، الرشوة بالمال والإغراء بغير المال والابتزاز والتهديد. كل ذلك بهدف تمرير الجريمة أو التغاضي عنها. وهذا النوع من الجرائم يصعب كشفه ويحتاج إلى متابعة وتحر طويلين قد تتبدل في أثنائها الوجوه والمواقع. ودول العالم، والعالم المسمى بالثالث تحديداً، كمسرح عام لذلك مليئة بالقصص التي تحكي الآثار المدمرة لجرائم الفساد الإداري على الأفراد والمجتمعات.
رابعاً: التهرب الضريبي:
وله أشكال متعددة منها المضاربات في العقار والعملات وتهريب البضائع والتعدي على الملكيات العامة والتستر والغش التجاري والشركات الوهمية وعدم الصدق في تدوين رؤوس الأموال والأصول الثابتة والمنقولة. كل هذه الأشكال والصور بدأت تطفو على السطح وخصوصاً بعد شيوع مفاهيم العولمة التسلطية وليبرالية السوق. ومما ساعد على ذلك سهولة حركة الأموال بين البنوك والدول وضعف وسائل الرقابة المحلية للدول وضعف وبطء المتابعة والتنسيق بين الدول والمنظمات الدولية.
خامساً: تجارة الرقيق وبيع الأعضاء:
بعد انهيار الكتلة الشرقية تحديداً وزيادة هيمنة القطب الواحد انفسح المجال لثقافة الغرائز والمفاهيم الهابطة ونشطت عصابات الإجرام الدولي في مجال تجارة الرقيق الأبيض والأعضاء البشرية، والمتتبع للأنباء الدولية يدرك مدى اتساع هذا النوع من الاجرام اللا أخلاقي واللا إنساني. ومعلوم نشاط العصابات الصهيونية في هذا الميدان بهدف إفساد أخلاقيات الناس والمجتمعات وتدمير القيم الدينية وقيم الأسرة وابتزاز الفاعلين والقيمين على الشأن العام.
سادساً: زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء:
أبرز إفرازات العولمة السلبية هي زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء، كما ذكر سابقاً. ومعلوم أن ربع سكان الكرة الأرضية من عالم الشمال يستحوذون على 80% من ثروات العالم.بمعنى أن ثلاثة أرباع البشرية «وهم تحديداً سكان الدول الفقيرة والنامية» يعيشون على خمس ثروات الأرض. والنماذج الحيّة كثيرة على تدهور الأوضاع الاقتصادية في الكثير من الدول. فمثلاً بلغ عدد الفقراء في الدول الأفريقية أكثر من نصف عدد سكان القارة. ومعلوم أيضاً ما حدث لنمور آسيا وكذا بقية الدول الآسيوية وكذلك الهزات التي تعرضت لها أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا، وكذلك المكسيك الجار الأقرب للولايات المتحدة الأمريكية، هذه الهزات تفضي بالضرورة إلى البطالة والفقر والفساد المالي والإداري والأخلاقي.
تعليق:
كثير مما سبق ذكره يندرج تحت مفهوم «عمل أي شيء من أجل المال والإفساد» وفي ذلك تدمير للقيمة الانسانية والأخلاقية. ومنه يتضح أنه لن يرضى عنا الصهاينة وحلفاؤهم وغيرهم من الأعداء حتى نسير في ركبهم وهنا مربط الفرس.
ولذلك لا بد، أولاً، من الالتفاف حول كل ما هو وطني والدفاع عنه والتصدي لكل ما يمس وطننا فكرياً وعقدياً وعروبياً وجغرافياً وتاريخياً واقتصادياً، لكون هذه أسس تشكيل لحمتنا الوطنية، والالتفاف حول كل معاني وقيم الولاء والانتماء. وكذلك الدفاع عن انتمائنا العربي والإسلامي الذي هو من أهم القواعد والأسس التي تقوم عليها هويتنا الوطنية والقومية.
ثانياً: التوجه نحو بلورة العروبة كمعادل موضوعي أو على أقل تقدير جعلها كتلة «اقتصادية اجتماعية ثقافية» تتفاعل وتتعايش مع العولمة.
وخصوصاً إذا اقتنعنا بأن العروبة ليست دعوة للانغلاق والتقوقع والتعصب، بل عكس ذلك تماماً فهي دعوة للانفتاح والحوار والبعد عن الانكفاء على الذات ومحاربة الإرهاب والتطرف.
ومعلوم بالمعايشة للواقع وقراءاته واستشراف المستقبل أن العولمة «بإيجابياتها وسلبياتها» كالريح العاصفة التي تهب بقوة على كل المجتمعات وستقتلع أو تدمر كل الكيانات والبناءات الهشة والصغيرة. أو تفرض عليها ثقافتها ونمط حياتها وهيبتها. ولا بد من تكتل أو تكتلات قوية قادرة على الوقوف في وجه هذه العاصفة الهوجاء.
كما أن العروبة، حسب ما أرى، هي المعادل الموضوعي في نظري للوقوف في وجه العولمة دفاعاً عن الأرض والموارد والثقافة والهوية «التاريخ والجغرافيا».
وعموماً إذا أُريد للعروبة كنظرية وخطاب وتكتل اقتصادي، تجاري، اجتماعي، وسياسي أن تقوم وتتبلور كإستراتيجية بعيدة المدى فلا بد لها من شروط ومحاور أبرزها:
1- التخطيط الاستراتيجي متوسط وبعيد المدى الذي يهدف للنهوض بالأمة والدفاع عنها ومراعاة مصالحها وسيادتها ومصالح أجيالها القادمة.
2- معرفة حجم مقدرات الأمة المادية والبشرية والفكرية واستثمارها الاستثمار الأمثل من خلال التنسيق والتكامل في كل الميادين.
3- فهم الواقع فهماً صحيحاً بمتغيراته وأحداثه وضغوطه وإملاءاته والتعامل معه بلغة الحوار والسلام.
4- ألا تكون أيديولوجية مذهب أو عرق أوجنس، بل لا بد من انفتاحها على أفقها وفضائها الإسلامي ومداها الاستراتيجي وهو منظومة الدول الإسلامية. فالتكتل العربي «العروبة» هو النواة الأولى لتكتل دول العالم الإسلامي. وخصوصاً أن العرب عليهم العبء الأكبر، فهم أمة الرسالة ويجمعهم الدين واللغة والهوية والموقع والأخطار والمصالح المشتركة. فإذا ما بدأوا فسيلحق بهم بقية النطاق الإسلامي وخصوصاً أن العرب والمسلمين وجهان لعملة واحدة.
5- تجذير الرؤية الإسلامية المبنية على منهج الوسطية، والبعد عن الغلو والتطرف والتعصب المذهبي، للخروج بأنموذج مبني على سماحة الإسلام والوسطية والانفتاح على الآخر والاقتناع بحرية الاختلاف ضمن الأطر الإنسانية السلمية.
6- التصدي للدفاع عن العرب والمسلمين كأمة وثقافة ودين ضمن الأطر والمفاهيم التي تنادي بها العولمة مثل حرية الأديان وحقوق الإنسان.
7- التصدي بكل حزم وقوة للإرهاب والتطرف المصحوب بالعنف والإرهاب والجماعات والتنظيمات الراعية له على كل المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
والله الموفق.
الهوامش:
(1) بلقزيز، عبدالإله «1993م» ورقة عمل مقدمة إلى ندوة المستقبل العربي، «المغرب العربي والنظام الدولي الجديد»، المستقبل العربي، العدد «168»، شباط، ص 125، بيروت.
(2) أبو صقر، كامل «2000م» «العولمة التجارية والإدارية والقانون رؤية «إسلامية الطبعة الأولى، دار الوسام، بيروت.
(3) معلوم، حسين «1999م» «التسوية في زمن العولمة، التداعيات المستقبلية لخيار العرب الاستراتيجي، في «العولمة والتحولات المجتمعية في العالم العربي»، ص ص111-147، مكتبة مدبولي، القاهرة.
(4) الخضري، محسن أحمد «2001م» «العولمة الاجتياحية مجموعة النيل العربية، القاهرة.
(5) الثقفي، سلطان أحمد «2002م» «أثر الإرهاب على العولمة السياحية» في الإرهاب والعولمة»، ص ص332 -358» أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض.

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved