Sunday 23rd february,2003 11105العدد الأحد 22 ,ذو الحجة 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

في ذكرى (الحج) و(الحجيج) و(الغزاوي).. في ذكرى (الحج) و(الحجيج) و(الغزاوي)..
(سويعات) قليلة.. مع (حوليات) جليلة..؟!! -2-
حمّاد بن حامد السالمي*

في المقالة الأولى تحت هذا العنوان؛ والتي نشرت يوم الأحد الموافق للثاني من شهر فبراير الحالي؛ تكلمنا عن شاعرية الاستاذ الكبير (أحمد بن ابراهيم الغزاوي) رحمه الله، وذلك من خلال قراءة سريعة لحولياته الشهيرة في مواسم الحج؛ تلك التي ظل يصدح بها من بطاح مكة طيلة خمسين عاماً، وبلغت في مجموعها قرابة (115) قصيدة، منها (63) قصيدة؛ هي من كشوفات الشيخ الجليل (عبدالمقصود محمد سعيد خوجة)، صاحب الاثنينية الأدبية الفكرية في جدة، وصاحب الريادة في تكريم المبدعين من الأدباء والمثقفين والكتاب، وصاحب (كتاب الاثنينية) المعروف بتبنيه إصدار ونشر النادر والثمين من نتاج المفكرين والمؤلفين، فوصل بهذه المجموعة الفريدة؛ إلى المجلد التاسع عشر؛ وهو عمر هذا المنتدى المبارك؛ إلى جانب إصدارات كثيرة أخرى؛ تكتسب أهمية خاصة عند المتلقين من الأدباء والمثقفين؛ ومنها: (الأعمال الشعرية والنثرية الكاملة)، للأديب الشاعر (أحمد بن ابراهيم الغزاوي)، الذي بلغ االاهتمام به وبآثاره عند الشيخ (عبدالمقصود محمد سعيد خوجة)؛ ان حققها بنفسه؛ وزاد بأن أشرف على تصحيحها، وهو جهد غير مسبوق، تحظى به آثار أديب فذ، وشاعر كبير في حجم الغزاوي رحمه الله.
قلت في المقالة الأولى: بأن حوليات الغزاوي الشهيرة في منى أو مكة؛ اتسمت بالجودة والجدة معاً، فقد عبرت عن هموم الأمتين العربية والإسلامية بصوت صادق أمين، يرتفع من بطاح أم القرى، من جوار البيت العتيق، ليتردد صداه بين المشرق والمغرب، وكان لافتاً في شعر الغزاوي الموسمي؛ لزوميات ما يلزم، من الدعوة إلى تضامن العرب والمسلمين، والحض على الأخذ بأسباب العلم، لأنه سبيلهم إلى القوة والمنعة في هذا الكون، وكان رحمه الله؛ شديد الحرص؛ على المضامين الأخلاقية؛ والتحذير من الانحرافات السلوكية، والمتاهات الفكرية، والتنبيه إلى فضائل التوسط والاعتدال؛ ونبذ الغلو والتطرف في الجدال.
أما وقد عرضنا صوراً من شاعرية الغزاوي؛ في مجمل قضايا العرب والمسلمين، في كثير من حولياته؛ فإنا آتون اليوم في هذه المقالة إلى صور أخرى تختص بالقضية الأم قضية العرب والمسلمين كافة في فلسطين، ولأن خسران هذه القضية يقوم على خسران العرب لوحدتهم، وفقدهم للشعور بحجم هذا الخسران وبالتالي فإن كسب هذه القضية؛ لن يأتي على أشلاء هذه الفرقة البغيضة؛ التي ظلت في حياة الشاعر، ثم استمرت بعد وفاته؛ فقد حاول الغزاوي رحمه الله؛ تكريس هذا الخطاب الداعي للقيم؛ والشاحذ للهمم؛ والصارخ في ذوي القمم؛ الذي يشخص الداء؛ ويصف له الدواء.
في حوليته الموسمية لحج عام 1364هـ في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة؛ وبين يدي (الملك عبدالعزيز) رحمه الله؛ قال الغزاوي:


أمة للحياة تنقض نشوى
من شباب ومن شيوخ كرام
(الملايين) في (الثمانين) منها
جل محصي العباد في الأرقام
أترانا (الغثاء) أم نحن (شمل)
لج (رضوى) بأنه في (التئام)
وفلسطين.. ما فلسطين إلا
وطن العرب لا عيد الحطام
إن من دونها ودون بنيها
وهج النار واشتعال الضرام
زعموا أنها لهم من قديم
قبل (كسرى) و(قيصر) وابن حام
نحن أيضا لنا بلاد وعنها
قد نزحنا.. منيعة الآطام
علم الغرب انها بين مدري
يد وروما.. وما وراء سيام

وفي حجة عام 1371هـ، في اليوم السابع من ذي الحجة؛ وقف الشاعر بين يدي الأمير (سعود بن عبدالعزيز) ولي العهد؛ ينشد فيسمع كافة المكلومين بعد حرب عام 1945م؛ وما تلاها من حوادث جسام؛ ومؤامرات عظام؛ قضت بتسلط الصهاينة على التراب الفلسطيني؛ وتهجير شعب عربي من أرضه رغماً عنه؛ ويذكر الكل؛ بأن نصر الله قادم لاشك فيه؛ ولكن بماذا يتحقق هذا النصر قال:


(عزة المؤمنين) حق -وصدق
ما استقاموا؛ وما اتقوا كل قاذف!!
ربنا الله - فلنبادر إليه
ليس من دونه من الكرب كاشف

وفي حجة عام 1379هـ؛ وفي اليوم السادس من شهر ذي القعدة؛ القى الشاعر قصيدة بين يدي الملك (سعود بن عبدالعزيز) رحمه الله؛ في القصر الملكي بمكة؛ في حضور وفود الحج، تناول فيها حال الأمتين العربية والإسلامية، ونوه بأهمية التضامن بين (تسعين مليون) عربي آنذاك -لو تم ذلك- وضمن قولهم: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض) في البيت الأخير قال:


كذلك كان الأمر منذ تسترت
(مساومة) العجل؛ الذي بات يحلم!!
وما (كليوبترا) -غير بتر شباكه
إذا هو القاها - ففيها - يحطم!!
وما (كليوبترا) في حمانا (سفينة)
ولكنها جيش الإباء العرمرم
كأن مراسيها (التضامن) مطبقاً
(بتسعين مليوناً) هي العرب تنقم
ومهما ابتلينا بالتحدي فإننا
لنحظى بنصر الله فيه ويهزم
ومن قبلنا قد خلد الناس حكمة
بها كل شعب ذي حفاظ يقوَّم
(إذا ما أخ خلّى أخاه لآكل)
بدا بأخيه الأكل ثم يُقلَّم!!

وهذه صرخة مدوية من صرخات الغزاوي؛ أطلقها في حولية حج عام 1383هـ بين يدي الملك (سعود بن عبدالعزيز) رحمه الله في حفل تكريم وفود الحجيج في القصر الملكي بمكة في اليوم السابع من شهر ذي الحجة، وفيها استفهامات استنكارية لحال العرب والمسلمين؛ والمحور الرئيس بطبيعة الحال في كل هذا؛ هو فلسطين السليبة، وقضيتها العادلة ولكن.. من تنادي.. وهل من حياة فيمن تنادي..؟! قال الشاعر:


ما لكم والجماد يحنو عليكم
تؤثرون الحياة.. والموت أكرم؟!
ما لكم تحصد المناجل فيكم
ما غرستم.. وما ورثتم.. يقسم؟!!
(قلة) نحن في الأناسي..؟ كلا
دوننا الرمل (كثرة) ثم نهضم
ما (فلسطين) في (الجوانح) إلا
فلذات الأكباد وهي تضرم
(زجرة) لم تكن سوى ما افترقنا
واقترفنا وما به نحن نخصم
نتلظى بما بها من مآس
ثم نغفو على القذى نتلوم
أين منا.. (وما أمنا) هو أنا
(مطلع الفجر) والخطوب تأزم؟!!
إن (إفراطنا) لسر الدواهي
و(بتفريطنا) العدو تقحَّم

ويظل الجرح النازف في فلسطين؛ يسفك دماً كذلك في القصيد.. ففي حولية عام 1384هـ يقف الغزاوي ناشداً في الوفود الإسلامية؛ التي انتظم عقدها؛ في مؤتمر إسلامي رعاه الأمير (فهد بن عبدالعزيز آل سعود) في مكة المكرمة؛ في اليوم الثالث والعشرين من شهر ذي الحجة وفيها يستنكر الشاعر الغزاوي خذلان الأمة، ويستنهض فيها الهمة، ويستعجب من هوانها في مقابل أعدائها؛ فيقول:


ما (الصهايين) - ما (الكواهين) إلا
(صيحة) دمدمت لزجر الخمول
إذا كرهنا أرزاءها -فهي خير
وهي شحذ لنا-بكل النصول؟
كيف يستنسر (البغاث) وفيكم
تتنزى الأسود.. في كل غيل؟!
أرشدونا إلى الصراط سويا
وأبعدونا عن الكثيب المهيل!!
واعلموا أننا سنمضي وأنتم
(مثلا) للصعود.. أو للنزول!

وفي العام 1387هـ تأتي حولية الحج بين يدي الملك (فيصل بن عبدالعزيز) رحمه الله، في اليوم السادس من شهر ذي الحجة؛ في حفل تكريم وفود الحجيج بقصر البطحاء بمكة المكرمة، وفيها من المعاني النبيلة؛ والمقاصد السامية والعواطف الصادقة، مايبعث على الرضا، وينال الإعجاب.
وفيها تحذير ونذير من مكايد الصهاينة في الأرض المحتلة، وتنبيه إلى نواياهم الشريرة تجاه المسجد الأقصى ألم يحرقوا هذا المسجد بعد ذلك بعام ونيف..؟! قال الغزاوي:


يا أمة التوحيد، إن أمامكم
ووراءكم، كيداً يحاك ويفتل!
نزلت بإسرائيل أفدح نكبة
في المسلمين! وبالذين تسرألوا!
وهناك (معراج النبي) مراغم
(والمسجد الأقصى) يراع ويفصل؟!
وبكل سارية عليه مناحة
منها تعل الثاكلات وتنهل!
شعب تشرد في العراء وماله
غير الفداء.. وقد تحدى الأرذل!
والأرض تعلم والسماء - بأنه
منا (الوريد) وشيجة.. و(الأكحل)!
أنراه يرسف في القيود؟! ويصطلي
وبنا المضاجع بعد ذلك.. تخمل؟!

وفي الحولية ذاتها عام 1387هـ يستصرخ الشاعر همة (الملك فيصل) رحمه الله، وهو الذي بدأ مشروعه التضامني للعالم الإسلامي، ثم ينعته بقوله: (خادم الحرمين)، وهو مصطلح يستخدم لأول مرة، وراح الغزاوي يكرره بعد ذلك في كثير من حولياته بين يدي (الملك فيصل)، ثم أصبح لقباً محبباً اختاره الملك (فهد بن عبدالعزيز) لنفسه بعد قرابة عشرين عاماً، مستبدلا به لقب (جلالة الملك) فقد خاطب الغزاوي الملك فيصل وهو يقول:


يا (خادم الحرمين).. يا من حبه
في كل قلب قانت يتغلغل!
بشراك بالتوفيق، والنصر الذي
يمشي إليك به الغمام المسبل!
مهما أطعت الله -معتصما به
فلك العُلى والمجد.. وهو موئل!

وفي حوليته للعام 1388هـ، تلك التي ألقاها بين يدي الملك (فيصل بن عبدالعزيز) في منى؛ في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة؛ يخاطب الشاعر الملك فيصل ويكرر نعته بخادم الحرمين فيقول:


يا (خادم الحرمين)، إنك للهدى
والدين، والدنيا معاً (لإمام)
ما أبهج (الأضحى)!! وأنت لعيده
(عيد).. به تتعاقب الأعوام!!
نور، ونور مجتلاك، وما هما
إلا شذاك!! وثغرك البسام!!

وفي حولية عام 1389ه؛ وقف الغزاوي بين يدي الملك (فيصل بن عبدالعزيز) في منى في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وذلك في حفل تكريم وفود الحجيج فشخص داء الأمة المتمثل في الفتن، ووصف الدواء بالرجوع إلى الله؛ ولم ينس ان يخاطب الملك فيصل بما درج عليه من وصفه ونعته ب (خادم الحرمين) قال:


(فتن) كأن الليل منها بعضها
وبها الحليم يضل -وهي تفجر
لن نستعين بغير من هو ربنا
في درئها!! وهو القوي الأكبر
وشهيدنا، ورقيبنا، وحسيبنا
هو من يحيط بما نسر، ونجهر
يا (خادم الحرمين) حسبك قربة
ما أنت تعليه، وأنت تعمر

ويأتي حج العام 1391هـ، ففي حفل تكريم وفود الحجاج في مكة في اليوم السادس من شهر ذي الحجة؛ يلقي الغزاوي بين يدي الملك فيصل رحمهما الله حولية حائية مدوية، تستعرض قضايا العرب والمسلمين في مشارقهم ومغاربهم، ويظل المحور الفلسطيني قائماً كالعادة:


فأما (فلسطين)!!! فعين وحاجب
ولابد (حتما) لا محالة تفتح!!!
وحق علينا والعراقيل جمة
(تضامننا) وهو الجواز المصرح!!!
ولله في تدبيره ما يشاؤه
و(تمكينه)، فيما به نحن نصلح!!!

وفي حولية عام 1393هـ بين يدي الملك فيصل كذلك تأتي فلسطين والقدس في صلب الخطاب المنبري فنرى الشاعر يؤكد على عروبة القدس وفلسطين وحتمية العودة ويعود بالسامع إلى حمية القبائل العربية الأصيلة التي لا تقبل بالضيم ولا ترضى بالمذلة، ويذكر بوعد (بلفور)، ويعرض بمواقف الرئيس (نيكسون) ووزير خارجيته (كيسنجر) يقول:


وما (القدس) إلا ارثنا - وتراثنا
فإما بها نفنى.. وإما تحرر!!
(فلسطين) و(الجولان) منا قلوبنا
و(سيناء)- والعقبى لمن يتبصر!!
يدافع عنها كل من هو مسلم
وفيها جميع المؤمنين تجمهروا!!
ستعلم (إسرائيل) ما جهلت غداً
إذا ما (نزار) داهمتها و(حمير)!!
وينقض فيها مارج بعد مارج
بما هم عتوا، واستكبروا، وتجبروا!!
هو الوعد (وعد الله) - وحي منزل
وليس هو الوعد الخؤون، (المبلفر)!!
(صداقتنا) ليست لقى لمظاهر
علينا، وبالقيراط سوف تقدر!!
وان سبيل النصر فرقان ربنا
صريح، ومن ينصره لاشك ينصر!!
بذلك فليؤمن -إذا شاء (نيكسن)
ولايمتري فيه، وينأى (كيسنجر)!!

رحم الله الغزاوي وشكراً للشيخ (عبدالمقصود محمد سعيد خوجة) هذا الصنيع الجميل، الذي قدمه للمكتبة العربية؛ في مجلدات ستة أنيقة تشتمل على (الأعمال النثرية والشعرية) لشاعر فطحل وأديب كبير غاب عنا شخصه وبقي فينا رسمه، علما خيرا؛ وفكراً نيراً وأثراً فوق وصف الواصفين.
fax: 02 73 61 552

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved