Sunday 25th may,2003 11196العدد الأحد 24 ,ربيع الاول 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

شدو شدو
في ظاهرة الخارق للظواهر (2/2)
د. فارس محمد العزي

يختلف -منهجياً - علماء العلوم الطبيعية من علماء العلوم الإنسانية حين التعامل مع «الاستثنائي» من الظواهر الطبيعية أو الإنسانية. فمنهجية العلوم الطبيعية على العكس منها في العلوم الإنسانية لا يؤثر فيها حدوث ما ليس مألوفاً حدوثه من الظواهر، حيث إن نتيجة واحد مضافاً إلى واحد على سبيل المثال. دائماً ما تكون «اثنين» في العلوم الطبيعية وليس هناك من استثناء لهذه القاعدة السرمدية، في المقابل فللاستثنائي مما يقع من الظواهر الإنسانية تأثير سلبي في العلوم الإنسانية نتيجة لما يبذله علماء الانسانيات من جهود في سبيل التغاضي عما يقع في محيطهم الإنساني من استثناءات وتناقضات أملاً في العثور - ذات يوم محال - على قانون مقنن للسلوك الإنساني تماماً على غرار نتيجة قاعدة (1+1). ولا شك في أن لهذا التباين المنهجي بين العلوم الطبيعية والإنسانية أسباباً وأسباباً من ضمنها حقيقة أن العلوم الطبيعية تتعامل مع ظواهر متسقة ومتساوقة.. ظواهر منتظمة في الحدوث.. متواترة في الأسباب وفي النتائج، وذلك على العكس مما يقع في الحياة الاجتماعية من الظواهر التي تختلط فيها متغيراتها المؤثرة الفاعلة بنظيرها المؤثر فيها والمفعول بها، وتتشابك فيها صيغها الكمية والكيفية مما يفقدها في النهاية الثبات والتراتبية في الأسباب وفي النتائج. وكل هذا بالطبع لكون الإنسان هو وحدة الدراسة للعلوم الإنسانية ولهذا السبب ذاته حاول العلم ان يجد حلاً لهذه النقيصة المنهجية المتجذرة في العلوم الإنسانية فلم يجد بدا من الاتفاق على أن النادر من وقائع الحياة الإنسانية لا حكم له، بمعنى أنه من الواجب عدم الالتفات منهجياً إلى ما وقوعه استثنائي مناف للمنتظم من الحوادث الإنسانية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد وخلافها.
وبواسطة هذه المنهجية يبدو العلم وكأنه قد منح علماء الانسانيات القدرة أو العلاج المنهجي الناجع للتعامل مع تناقضات ظواهرهم الإنسانية، غير أنه في حقيقته قد سلبهم القدرة هذه حيث لا يفتأ العلم يقف صامتاً في كل مرة يجد فيها نفسه أمام ظاهرة انسانية استثنائية وغير مألوفة، وهذا بحد ذاته يحتم أن نتساءل بالقول ألا يمكن أن يمثل الانصراف عن دراسة الاستثناء لصالح التركيز على فهم القاعدة عدم فهم للقاعدة ابتداء؟ وهل هو من العلم بشيء أن يغفل الإنسان دراسة الاستثنائى في حياته لا بسبب قلة أهمية هذا المستثنى بقدر ما هو بسبب عجز هذا الإنسان عن التوفيق بين فهم ما يحدث في حياته بانتظام وما يخرق نواميس هذا الانتظام من ظواهر استثنائية؟
ماذا عن امكانية حل هذه المعضلة في ضوء المنظور الإنساني القريب منه أو البعيد؟.. في الحقيقة لايبدو الحل قريباً.. بله بعيد بعيد بمقدار مسافة ما بين الإنسان ومعرفة ذاته.. عليه وبما أن المسألة هنا تبدو يائسة (خربانة!) فلم لا نجرب نقيض المنهجية القائمة فنأخذ بالاستثنائي ونغفل السائد / المكرور أو القاعدة..؟!

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved