Thursday 26th june,2003 11228العدد الخميس 26 ,ربيع الثاني 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

ماذا ينقمون من علمائنا ماذا ينقمون من علمائنا
عبدالله بن ثاني (*)

روى البخاري ومسلم عن الزبير قال: دخلنا على أنس بن مالك، قال: فشكونا إليه ما نقلى من الحجاج، فقال: ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعت هذا من نبيكم..
قال ابن حجر: ثم وجدت عن عبدالله بن مسعود التصريح بالمراد، وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب عن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: سمعت عبدالله بن مسعود، يقول: لا يأتي عليكم يوم الا وهو شر من اليوم الذي قبله حتى تقوم الساعة، لست اعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي قضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون، ومن طريق الشعبي عن مسروق قال عنه: لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر مما كان قبله، اما إني لا أعني اميراً خيراً من امير، ولا عاماً خيراً من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاء، ويجيء قوم يفتون برأيهم.
كل ذلك يُبَيّن منزلة العلماء الربانيين في الإسلام الذي فرض احترامهم وتقديرهم على الأمة، لأنهم الأعلام الموقعون عن الله، فلا يهاجمهم وينال من منزلتهم في نفوس العامة والمجتمع إلا صاحب بدعة يريد الترويج لبدعته، ويريد أن يزاحمهم في مسؤولياتهم الجسيمة وهو لا يعلم أنه يفتح باباً لا تدري الامة ماذا وراءه، ولسان حالها كما قال الراغب الاصفهاني في كتاب الذريعة الى مكارم الشريعة، «لا شيء اوجب على السلطان من رعاية احوال المتصدين للرياسة بالعلم، فمن الاخلال بها ينتشر الشر، ويكثر الاشرار، ويقع بين الناس التباغض والتناقض.. ولما ترشح قوم للزعامة في العلم بغير استحقاق، واحدثوا بجهلهم بدعاً، استغروا بها العامة، واستجلبوا بها منفعة ورياسة فوجدوا من العامة مساعدة لمشاكلتهم لهم، وقرب جوهرهم منهم، وفتحوا بذلك طرقاً منسدة، ورفعوا به ستوراً مسبلة، وطلبوا منزلة الخاصة فوصلوا اليها بالوقاحة وبما فيهم من الشر فبدّعوا العلماء وجهّلوهم اغتصاباً لسلطانهم، ومنازعة لمكانهم، فأغروا بهم اتباعهم حتى وطئوهم بأظلافهم وأخفافهم، فتولد بذلك البوار، والجور العام والعار.
تذكرت ايها السادة هذا الموضوع وانا اقرأ واسمع من يهاجم شيخ الاسلام والوهابية ولم تسلم منهم حتى خطبة سماحة المفتي في عرفة وزادني اصراراً عليه أن ذلك الهجوم السابق، قد بدر من اناس يجهلون او يتجاهلون والعذر انهم غير محسوبين على العلم واهله اما الهجوم الجديد على هيئة كبار العلماء فقد جاء على لسان بعض طلبة العلم في بعض الفضائيات الذين يستدلون بأقوال كيسنجر وبوش ورامسفيلد أكثر من استدلالهم بالنصوص الشرعية التي غيّبوها فضلوا واضلوا خلقاً كثيراً، وليتهم ادركوا قول الإمام الطحاوي في العقيدة:« ونتبع السنة والجماعة، ونتجنب الشذوذ والخلاف والفرقة».
ومن يتبع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، إلا تلك الهيئة التي يريدونها ان تفتي بما يوافق اهواءهم ويدفع المجتمعات الى ما لا تحمد عقباه، متجاهلين أن الذي جعل الفرق الإسلامية تنحرف عن الصراط هو اغفالها الركن الثالث الذي نص عليه الوحيان ألا وهو فهم السلف الصالح.
ومن ذلك اشتمال قوله تعالى في سورة الفاتحة {اهًدٌنّا الصٌَرّاطّ المٍسًتّقٌيمّ} على ركني الكتاب والسنة واشتمال قوله تعالى {صٌرّاطّ الذٌينّ أّّنًعّمًتّ عّلّيًهٌمً} على فهم السلف لهذا الصراط، وهذا لا يتأتى إلا لمن اخلص وتزكى ولا نزكي على الله احداً، يبدأ عالمنا يومه بالوتر، قبيل صلاة الفجر ثم يستمر في عبادة وتدريس وفتيا ونصيحة وتوجيه وتأليف وقراءة حتى صلاة العشاء، في حين أن اولئك المهاجمين والمشككين يسهرون الليالي يتابعون مراسلي القنوات الفضائية ومواقع الانترنت وفيها ما فيها من غيبة واتهام وتكفير وتضليل فلا حول ولا قوة الا بالله.
صدقاً تألمت وانا اسمع احد طلبة العلم في مجتمعنا يصف هيئة كبار العلماء في قناة فضائية بعدم الاستقلالية وعدم فهم الواقع الذي يشهد بأنهم خير من يفهمه ويقدر المصلحة العليا للامة بلا عجلة ولا عاطفة وإنما من خلال قراءة ربانية مؤيدة بالنصوص الشرعية، وتجاوزهم الى سب العلماء وطلبة العلم والدعاة الذين ادركوا اهمية الكلمة الصادقة في هذه الظروف واهمية بيان المنهج الشرعي في التعامل مع الاحداث واخذ يطعن بهم ويذكرهم بعهد سابق قد تبرؤوا منه قربة الى الله تعالى.
ثم تناول قضية التفجيرات التي شهدتها عاصمتنا الحبيبة الرياض، وتناول موضوعها بذكاء واكتفى بأن الفاعلين ليسوا خوارج من احفاد ذي الخويصرة الذي قال للنبي صلى الله عليه وسيلم اتق الله يا محمد عندما اتهمه بعدم العدل في توزيع الفيء، مع انهم يتفقون معهم في اهم امرين وهما التكفير بالكبيرة والخروج على ولي الامر واقل الاحوال في حقهم انهم بغاة ذوو منعة وقوة وتنظيم مسلح، ولا يملكون تأويلاً سائغاً يشفع لهم بما حدث، وطلب الحوار مع ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي اخرجه مسلم «لئن ادركتهم لاقتلنهم قتل عاد» وهذا ما فعله الامام علي بن ابي طالب معهم في النهروان مع أن الحوار مطلب وطني في هذه الظروف والاتفاق ضرورة لمواجهة العدو الخارجي المتربص بأمة الإسلام وهذا ما ادركه ابن عباس رضي الله عنه عندما حاورهم ورجع بعدد كبير منهم إلى الصواب.
وذكر أن الهجوم على الهيئات في وسائل الإعلام من اسباب التفجير فوقع في تناقض مع هجومه على اكبر هيئة شرعية في بلادنا، والخطأ الصادر من الهيئات محتمل الوقوع نظراً لقلة معرفة بعضهم بطرق إنكار المنكر وما يترتب على ذلك المنكر، اما الخطأ الصادر من هيئة كبار العلماء فمحال او نادر على اسوأ الاحتمالات وليت طالب العلم ينظر ما حولنا لأدرك ما يتمتع به علماؤنا عفا الله عنهم من حكمة وبصيرة وقراءة للواقع بعد استيفاء الادلة والاراء وفق قواعد شرعية لا تخفى على احد من مثل درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وارتكاب اخف الضررين وباب سد الذرائع ولازلنا نسمع ونرى ان بعض المفتين ومراكز الفتوى في غير بلادنا يصدرون الفتوى ثم ينقضونها بعد يوم او يومين.
ولادرك ايضاً ان الهيئات تعدها الدولة مؤسسة من مؤسساتها الحكومية التي تدافع عنها وتحرص عليها وهذا ما اكده الامير نايف مراراً.
ان خطورة شتم العلماء واتهامهم نذير شر وانفلات ومزاحمتهم في واجبهم حرم كبير لكن العزاء ان الذين يصدرون مثل تلك الآراء إما ان يكونوا حركيين نكت في قلوبهم سواد البدعة باسم الشرع وإما أن يكونوا غير متخصصين في العلوم الشرعية وبضاعتهم فيها مزجاة قليلة مما شجعهم على النيل من ثوابتنا الدينية ومناهجنا الشرعية، وقد حكى لي بعض الاصحاب بسند متصل عن احد مشايخنا يقول: فوجئت مرة بمجموعة من الشباب يريدون مناقشتي في بعض المسائل المهمة فرحبت بهم وجلست معهم، وسألتهم بادئ ذي بدء عن تخصصهم وكم تحفظون من القرآن والسنة وماذا قرأتم وماذا ألفتم من كتب.
واخذت امر بالسؤال عليهم واحداً تلو الآخر وكلهم اجابوا: طبيب ومهندس ومدرس احياء او رياضيات او علم نفس وانهم تعلموا على يد كتب مملوءة بالشبهات لا علاقة لها بما يبني المسلم بناءً حصيناً من كتب السلف الصالح.
وبعدها وجهت لهم كلمة في اهمية طلب العلم والتربية على كتب السلف التي استبدلتم الذي هو ادنى بها، واما الحديث عن الغرب بهذه الطريقة على لسان ذلك الطالب فلا ينبغي لظروف يعلمها الجميع لأنهم غادروا بقضهم وقضيضهم البلاد قبل التفجيرات وان الحديث لا يجلب منفعة ولا يدفع ضرراً اللهم يزيد من إثارة المشاكل والفتن وعجبت من طلبه العالم اجمع ان يقف في وجه الولايات المتحدة الامريكية ومواجهتها واضعاً المسلم والهندوسي والوثني والشيوعي واليهودي بخندق واحد ثم يتباكى مع اولئك الحركيين على سجناء غوانتانامو والامة كلها تتمنى ان يفك الله اسرهم عاجلاً ولا يعرفون انهم يضرون اخوانهم بهذه التفجيرات وهذه العمليات وهذا الهجوم، ولا يدركون ان اخوانهم بحاجتهم اكثر من قتل معاهد وذمي يعيش بيننا بشروطنا.
ايها السادة: هل سمعتم بما ختم به شيخ الإسلام ابن تيمية الرسالة القبرصية لملك قبرص بخصوص الاسرى المسلمين فقال: والذي اختم به الكتاب الوصية بالشيخ ابي العباس، وبغيره من الاسرى، والمساعدة لهم والرفق بمن عندهم من اهل القرآن والامتناع من تغيير دين واحد منهم، وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله ونحن نجزي الملك على ذلك بأضعاف ما في نفسه.
والله يعلم اني قاصد للملك الخير، لأن الله تعالى امرنا بذلك، وشرع لنا ان نريد الخير لكل احد، ونعطف على خلق الله، وندعوهم الى الله والى دينه وندفع عنهم شياطين الانس والجن والله المسؤول ان يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وان يخير له من الاقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير، والحمد لله رب العالمين، وصلواته على انبيائه والمرسلين ولاسيما محمد خاتم النبيين والمرسلين والسلام عليهم اجمعين.
هل رأيتم اللغة التي يخاطب بها شيخ الإسلام ملك قبرص النصراني، وما نسمعه اليوم من الدعاء بالهلاك وقطع الدابر والحرث والنسل والسب على منابرنا لا يتفق مع حاجتنا للسلام وحاجتهم للحرية وكلنا يعلم انهم اعلنوا عن إطلاق سراحهم قبل الاحداث ثم لما رأوا الهجوم عليهم والتقرب الى الله بقتل المسالمين منهم نصبوا محاكمات عسكرية وغرف إعدام فحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان الله في عون امة محمد صلى الله عليه وسلم.
والله من وراء القصد

الإمارات العربية المتحدة

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved