Saturday 20th september,2003 11314العدد السبت 23 ,رجب 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

أفلح إن صدق.. أفلح إن صدق..
عبد العزيز السماري

التدين ظاهرة مستديمة في المجتمع العربي، ولم يستطع أياً كان أن يقتلع جذورها من الشرق المسلم، مهما حدث من غزوات أو اختراقات ثقافية، فالمجتمع التركي على سبيل المثال رفض التفريط في تدينه الاجتماعي برَغم عقود وعقود من التغريب، والزائر لأحد المدن أو القرى التركية يدرك مدى تأصل ظاهرة التدين في المجتمع التركي، كما تبرز تلك الظاهرة بوضوح في جميع المجتمعات الإسلامية والعربية، فالمحافظة ورفض أساليب الحياة الغربية موقف شرقي ثابت مهما بدت الصورة مختلفة في وسائل الإعلام.
كذلك تظهر تلك الصورة بوضوح شديد محلياً، وتمتد جذورها إلى جميع فعاليات المجتمع، ويحظى المتدين بتقدير الجميع وبثقة السلطات، والتدين في شتى بقاع الأرض يتكىء على رصيده أحياناً بعض الساسة لتمرير قراراتهم وخططهم المستقبلية، بينما يتهيأ آخرون فرص تعاقب ظواهر المد والجزر التي تطرأ على حركة المجتمع المتدين، واستثمار «إخلاص» أفراده لاضفاء مزيد من الجاذبية للشعار المعلن ولاعطاء رصيد أكثر لحركية المجموعة ولخدمة الأهداف المعلنة منها والخفية!، والتاريخ العربي يحفل بأمثلة متشابهة.. كما يلعب ترمومتر القوة وموازين الطبيعة الدور الأهم في إعادة صيغ الخطاب المتدين في المجتمع..
ومفهوم التدين يختلف بالتأكيد من رمز إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، فقد يملك الرمز أحياناً القدرة على إعادة صياغته، ويعيد ترتيب أولوياته من ثنايا الخطاب الإسلامي الغني بالمواقف والعبر حسب مصالحه الذاتية، وخلال العقود الأخيرة طرأت شروط جديدة على ظاهرة التدين في المجتمع العربي، فقد كان مفهوم التدين في فترات سابقة يحمل معاني مختلفة عندما كان يُطرح كما ورد في صحيح البخاري عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الاعرابي، الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أخبرني ما فرض الله عليّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمسة إلا ان تطوع شيئاً. فقال: أخبرني ما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان إلا ان تطوع شيئاً. فقال أخبرني ما فرض الله عليّ من الزكاة؟ قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً وانقص مما فرض الله عليّ شيئا، فقال رسول الله: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق».
فالوعظ الديني من خلال معاني هذا الحديث الشريف تؤدي إلى جعل ظاهرة التدين عامة، ولا تحتكرها أقلية، وسيبقى المجتمع العصري في دائرة الإسلام متحدا، وسيجتمع على إصلاح حاله، وتجاوز أخطائها من خلال لغة حوار وتواصل، لا يفرقها إلا اختلاف الأساليب الإصلاحية، ولكن بدون إقصاء أو مشاعر عدائية للمخالف في المنهج!.
لكن ينقلب مضمونه إلى العكس تماما عندما تختلف شروط التطوع، وتتجاوز المفهوم الذي شرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعرابي، ليصبح له مظاهر معينة والتزام محدد، إذا خالفها أحد.. خرج من دائرة «التدين»، والمتابع لمنتديات وخطب الوعظ الصحوي، سيدرك مدى اختلاف تلك الظاهرة الأصيلة، واستبدالها بمظاهر جديدة، وستتضح تبعات مفاهيم التدين المشروط إذا خاطب داعية معاصر العامة في مجتمع مسلم من خلال درس إسلام الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو سيد قبيلة دوس، وحث أفراده على الاقتداء بموقفه الرافض لمجتمعه وقبيلته وعائلته، كما جاء في تفاصيل القصة التي وردت في سيرة ابن هشام، والتي تتردد في خطب ودروس بعض الدعاة عن قصة إسلامه ثم رجوعه إلى قبيلته دوس: «قال فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخاً كبيرا، قال فقلت: إليك عني يا أبتي فلست منك ولست مني قال ولم يا بني؟ قال قلت: أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، قال أي بني فديني دينك؟ قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، قال ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. «قال» ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت لم؟ بأبي أنت وأمي، قال: قلت: قد» فرق بيني وبينك الإسلام وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم؟ قالت فديني دينك، قال قلت فاذهبي إلى حنا ذي الشرى «صنم».. فتطهري منه»..
وإذا اسقطنا ما يستفاد من تلك الرواية التي تطرح كنموذج يقتدى به في أدبيات الدعوة الجديدة سيتبدل تماماً مفهوم التدين أو «التطوع» ويصبح للإسلام مفهوم جديد، يرفض تقاليد وأحكام «جاهلية» المجتمع المتدين حسب فهم الإعرابي، ويقف ضد قيمه، والإيمان بوجوب كراهيتها و«بغض» من لا يخرج من دائرتها، ثم العمل على دعوة أفراد المجتمع إلى الاقتداء بالطفيل والخروج عن الالتزام بأخلاق تلك الجاهلية المزعومة، وروابطها السياسية والعائلية والثقافية..
تلك هي أهم المبادئ التي تنطلق منها منهجية بعض حركات الصحوة الإسلامية، فالأمتان العربية والإسلامية تعيشان تمزقاً حضارياً رهيباً، تظهر عليه علامات الجاهلية الأولى، ويساهم فيه «الداخل» والخارج على حد سواء، وأدى تفاقم أزمتها إلى نشوء واقع قابل للانهزام والتبعية والتقوقع، مما أنتج ثقافة الاستبداد السياسي والفقر الاقتصادي والجدب العلمي والمعرفي، أو كما وصف أحمد أمين عصره: «فساد نظام واستبداد حكام وفوضى احكام وخمود عام»، فكانت ظاهرة الصحوة الإسلامية بمثابة المنقذ الذي سوف يستدعي الحل الأمثل لأزمة جاهلية الأمة من عصر الإسلام الأول، ومن الموقف الشديد من الآخر «الجاهل» كما تمثل في الموقف الشخصي للصحابي الجليل الطفيل بن عمرو من قبيلته وعائلته، برغم من ان ما ورد عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أقاربه غير المحاربين من مشركي قريش يختلف تماما، ولكن لعل اختزال ذلك الموقف الأحادي والمعادي للأب والزوجة تعبير غير موفق، وفي غاية التطرف عن عمق أزمة المجتمع العربي، ومحاولة ربما نجحت لحد كبير في اضفاء معنى جديد للمقولة الشهيرة.. «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»..، وهو الدور الذي يقوم به دعاة التدين بشروطه الجديدة في الوقت الحاضر، وبصيغته الجديدة التي يعتقدون انها قادرة على إحداث التغيير المطلوب في المجتمع المسلم..
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ثلاثة عقود من استقطاب المجتمع وفرزه إلى «ملتزم» صالح أو إلى «جاهل» يستحق العداء حتى يستجيب إلى شروط الدعوة الجديدة! هو: هل بالفعل تمثلت القيم الحضارية في إنسان الدعوة الجديدة، وهل كان نتاجها مثالا للإداري النزيه أو الموظف المنتج أو المواطن الصالح لقضايا مجتمعه، أم انه برغم من كل ذلك لا يزال يحمل بين ضلوعه أزمة الإنسان العربي الحضارية وفشله الذريع على جميع المستويات، لكن حاله ازدادت بؤسا، عندما صار يتحلى بمشاعر ومواقف شديدة العداء للمجتمع، اسقطتها على سلوكه دعوات الوعظ والتحريض، وسوء عاقبة نداءات الاقتداء بموقف زعيم دوس من قومه في صدر الإسلام ومخاطره على وحدة العائلة وتماسك المجتمع وأمن الوطن تكمن في أن المجتمع الحالي مسلم وليس كافراً، ويفهم التدين كما فهمه ذلك الإعرابي من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وكما أكده عليه أفضل الصلوات والتسليم في قوله.. أفلح إن صدق..

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved